التخطي إلى المحتوى

في ظل تزايد الحديث في وسائل الإعلام ومنصات التواصل عن ما يُعرف بـ«العلاج بالطاقة»، يبرز سؤال محوري حول مدى فعاليته ومدى اعتماده ضمن الممارسات الطبية الحديثة. يؤكد الدكتور توفيق ناروز، استشاري الطب النفسي، أن تحديد مستقبل هذا النوع من الممارسات لا يمكن أن يتم بالانطباعات أو الروايات الشخصية، بل يعتمد بالدرجة الأولى على نتائج البحث العلمي وتقييمها وفق معايير طبية دقيقة.

يشير الدكتور ناروز إلى أن «العلاج بالطاقة» يختلف من طريقة إلى أخرى، فقد يتضمن ادعاءات مرتبطة بتعديل مسار الطاقة الحيوية أو التأثير على الجسد عبر النبضات أو اللمس أو أساليب استرخاء خاصة. ورغم أن بعض الأشخاص قد يلاحظون تحسّنًا في حالتهم أو انخفاضًا في التوتر، إلا أن ذلك لا يكفي وحده لإثبات وجود آلية علاجية مؤكدة أو فعالية سريرية ثابتة. لذلك، ينبغي الفصل بين ما قد يقدمه العلاج من جانب داعم مثل الاسترخاء وتقليل القلق، وبين مفهوم «الشفاء العلاجي» بمعناه الطبي الذي يتطلب برهانًا على مستوى الدراسات.

ويشدّد الاستشاري النفسي على أهمية منهجية البحث العلمي في هذا المجال؛ فالدراسات التي تعتمد على تصميمات تجريبية صارمة، مثل المجموعات الضابطة والتعمية (Blind/Double-blind) ومقاييس النتائج الموضوعية، هي وحدها القادرة على تقديم إجابة حقيقية عن سؤال: هل التأثير حقيقي وقابل للتكرار أم أنه نتيجة عوامل مساعدة مثل التوقعات أو تأثير الاهتمام والرعاية.

ومن النقاط التي يراها الدكتور ناروز ضرورية عند التعامل مع أي ممارسة تُسوّق على أنها علاجية، وضع ضوابط واضحة تضمن حماية المريض. فمثلًا، ينبغي عدم تقديم «العلاج بالطاقة» كبديل عن العلاج الطبي المعتمد في الحالات التي تتطلب تدخلًا سريعًا أو دوائيًا أو نفسيًا متخصصًا. كما يجب على الجهات الصحية والممارسين الالتزام بالشفافية تجاه طبيعة الخدمة: هل هي جلسات دعم نفسي واسترخاء؟ أم ادعاء علاجي مباشر لحالات محددة؟

كذلك، يلفت الاستشاري إلى أن العديد من الاضطرابات النفسية—مثل القلق والاكتئاب الخفيف وبعض مشكلات النوم—قد تتأثر بعوامل نمطية مثل الضغط النفسي، وطريقة التعامل مع الجسد، ودعم الفريق أو المرشد. ولذلك، قد تظهر نتائج إيجابية عند استخدام بعض الأساليب المرافقة كجزء من خطة شاملة تشمل العلاج النفسي المعتمد، والتثقيف، وتعديل نمط الحياة. لكن ذلك يظل «مكمّلًا» لا «بديلاً» إلى أن يثبت بالدليل أنه يحقق نتائج علاجية مستقلة ومتفوقة.

ولتعزيز فهم الموضوع بشكل أوسع، يوصي الدكتور ناروز بالاطلاع على الأدلة المنشورة في مجلات طبية محكّمة، ومراجعة حجم العينة، ومدة المتابعة، وهل النتائج قابلة لإعادة التجربة. كما ينبغي الانتباه إلى التسويق المفرط أو الوعود المطلقة، لأن الطب يقوم على احتمالات محسوبة وليست على ضمانات.

ختامًا، يرى الدكتور توفيق ناروز أن الجدل حول «العلاج بالطاقة» لن يَهدأ بمجرد كثرة الكلام أو انتشار التجارب الفردية، بل يتحدد مساره عبر البحث العلمي، وبتقييم آثاره بصورة منهجية، وبوجود إطار أخلاقي يحمي المرضى ويضمن دمج أي ممارسة جديدة ضمن ما هو فعّال وآمن. ومن ثم، فإن مستقبل هذا النوع من العلاجات يظل رهينًا بالدليل، وبالقدرة على تحويل الادعاء إلى نتائج قابلة للقياس والتكرار.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *