التخطي إلى المحتوى

أكدت الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، أن الجرائم التي تحدث داخل دوائر الأصدقاء والأسرة لم تعد مجرد أحداث عابرة، بل أصبحت ظواهر اجتماعية تستدعي دراسة معمقة وخطط متابعة، لأن طبيعتها ترتبط بتفاعل عوامل نفسية وأسرية وتربوية داخل بيئات متقاربة. وأشارت خلال حوارها مع الإعلامي مصطفى بكري ببرنامج “حقائق وأسرار” على قناة “صدى البلد” إلى أهمية التمييز بين الخلل العقلي والخلل النفسي، موضحة أن لكل منهما أسبابًا ومسارات علاج وتأهيل مختلفة، الأمر الذي يتطلب تدخلًا مهنيًا مبكرًا بدل الاكتفاء بالتعامل الأمني أو ردود الفعل الآنية.

وشددت منصور على أن المجتمع لا يواجه هذه التحديات عبر المعالجة فقط، بل عبر الوقاية التي تبدأ من بناء الإنسان ورفع قدراته. لذلك أكدت ضرورة إعلاء قيمتي التعليم والعمل، باعتبارهما عاملين حاسمين في تقليل احتمالات الانحراف والاحتكاك السلبي داخل العلاقات الاجتماعية، لا سيما عندما تكون الضغوط الاقتصادية أو ضعف الفرص الوظيفية عاملًا مساعدًا لظهور سلوكيات متهورة أو عدوانية.

كما تناولت دور الطبقة المتوسطة باعتبارها عنصرًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار ودعم التنمية. فوجود طبقة متوسطة متماسكة ينعكس عادة على انخفاض معدلات التوتر الأسري والاجتماعي، وزيادة قدرة الأفراد على الاستثمار في مستقبلهم عبر التعليم والتدريب واكتساب المهارات المهنية. وترى منصور أن تعزيز مكانة هذه الفئة يمثل خطوة مهمة في دعم التنمية المستدامة، لأن الاستقرار الاجتماعي يخلق مناخًا أكثر قدرة على احتواء المشكلات ومعالجتها بطرق علمية.

وتؤكد أهمية الاستثمار في التعليم والعمل ليس فقط بوصفه مسارًا وظيفيًا، بل كمنظومة حماية اجتماعية. فالتعليم يرفع الوعي ويغرس مهارات التفكير وضبط الانفعالات ويعزز فرص الاندماج الإيجابي، بينما يوفر العمل دخلاً منتظمًا ويمنح الأفراد معنى وانتماء ويقلل من آثار البطالة والفراغ. وبذلك تتحول المؤسسات التعليمية وفرص العمل إلى أدوات وقائية تقلل من احتمالات تصاعد النزاعات داخل محيط الأسرة والأصدقاء.

ومن أجل تعزيز الوقاية، يمكن للمجتمع—وفقًا لفكرة الربط بين التعليم والاستقرار—أن يركز أيضًا على برامج دعم الأسرة، والتوجيه والإرشاد النفسي والاجتماعي، وتفعيل دور مؤسسات الخدمة المجتمعية في متابعة الحالات ذات المؤشرات المبكرة. كما يسهم تدريب العاملين الاجتماعيين والأخصائيين النفسيين على التفريق بين الأعراض ذات الطابع النفسي وتلك المرتبطة باضطرابات عقلية في توجيه الحالات إلى المسار العلاجي الصحيح، ما يحد من تكرار الأزمات ويزيد من فرص التعافي.

وفي الخلاصة، ترى الدكتورة هالة منصور أن تعزيز التعليم والعمل ودعم الطبقة المتوسطة ليس هدفًا اقتصاديًا فحسب، بل هو مدخل اجتماعي وثقافي وقائي لمواجهة الظواهر السلبية داخل المجتمع، بما في ذلك جرائم دائرة الأصدقاء والأسرة، عبر بناء الاستقرار وتمكين الأفراد وإتاحة فرص عادلة للمستقبل.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *