حذّر الدكتور عبد المسيح سمعان، أستاذ الدراسات البيئية وتغير المناخ، من التداعيات المتزايدة لارتفاع درجات الحرارة وارتفاع معدلات الرطوبة على عدد من الدول الأوروبية، مؤكدًا أن تغير المناخ لا ينعكس فقط على الطقس ودرجات الحرارة، بل يمتد أثره إلى الموارد المائية والأنهار والأنشطة الاقتصادية والصحة العامة.
## ارتفاع الحرارة يزيد التبخر ويرفع الرطوبة في الهواء
يشير سمعان إلى أن ارتفاع الحرارة يؤدي إلى زيادة معدلات تبخر المياه من البحار والمحيطات والمسطحات المائية، ما يرفع كمية بخار الماء في الغلاف الجوي. وبدلًا من أن يقتصر ذلك على المناطق الساحلية، فإن حركة الهواء والرياح يمكن أن تنقل الكتل الهوائية المشبعة ببخار الماء إلى داخل القارة. لذلك قد ترتفع “الرطوبة الفعلية” والإحساس بالحر حتى في المدن البعيدة عن السواحل.
## الرطوبة تضاعف الإحساس بالحر وتجعل التبريد الطبيعي أصعب
يوضح أستاذ الدراسات البيئية أن تزاوج ارتفاع الحرارة مع ارتفاع الرطوبة يخلق ظروفًا أكثر قسوة على الجسم. فالهواء الجاف يساعد الجسم على فقد الحرارة عبر تبخر العرق، بينما تؤدي الرطوبة المرتفعة إلى إبطاء عملية التبخر. ونتيجة لذلك تظل الحرارة محبوسة نسبيًا داخل الجسم، ما يزيد الإحساس بالحر ويضاعف مخاطر الإجهاد الحراري، خاصة لدى كبار السن والأطفال والأشخاص الذين يعانون أمراضًا مزمنة.
كما يلفت سمعان إلى أن استمرار هذا النمط المناخي قد يرفع احتمالات اضطرابات الحرارة كالإجهاد الحراري والضربات الحرارية، ويزيد الضغط على أنظمة الرعاية الصحية.
## إسبانيا ضمن الأكثر تأثرًا بموجات الحر
يؤكد سمعان أن إسبانيا من بين الدول الأوروبية التي تتعرض على نحو متكرر لموجات الحر، ويعود ذلك إلى عوامل جغرافية ومناخية مرتبطة بموقعها قرب البحر المتوسط وشمال أفريقيا. فالتقلبات في حركة الكتل الهوائية قد تسمح بدخول هواء حار قادم من مناطق أكثر جفافًا، ما يزيد من شدة موجات الحر ويطيل مدتها.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن تزايد فترات الجفاف في بعض المناطق يفاقم المشكلة؛ إذ تقل الرطوبة المتاحة لتبريد البيئة طبيعيًا عبر النتح والنشاط المائي للنباتات، فيتعمق أثر الحرارة.
## مناخ أكثر جفافًا: آثار مباشرة على الأنهار والمياه
يشدد الدكتور عبد المسيح سمعان على أن تأثير ارتفاع الحرارة والجفاف لا يبقى في حدود الطقس، بل ينعكس مباشرة على الموارد المائية. فارتفاع التبخر مع قلة الهطول قد يؤدي إلى تراجع مناسيب المياه في عدد من الأنهار الأوروبية، ومن بينها نهر الراين.
ويمتد ذلك إلى تحديات متعددة مثل انخفاض توفر المياه للزراعة، وتأثر جودة المياه بسبب ارتفاع تركيز الملوثات وازدياد الحرارة داخل المجاري المائية. كما قد تتراجع قدرة الأنهار على دعم التنوع البيولوجي، نتيجة تغيرات الحرارة وتقلّبات التدفق.
## تداعيات اقتصادية على قطاعات متعددة وسلاسل الإمداد
يرى سمعان أن نقص المياه والضغوط المناخية قد تنعكس على الاقتصاد بشكل مباشر وغير مباشر. فالمياه ضرورية لعدد كبير من الأنشطة، بما في ذلك الزراعة والصناعة وإنتاج الطاقة والنقل. كما أن تراجع الموارد المائية قد يفرض قيودًا على الاستخدامات الصناعية، ويؤثر على كفاءة العمليات التي تعتمد على التبريد أو على توفر المياه بكميات مناسبة.
ومن جهة أخرى، يمكن أن يمتد الأثر إلى سلاسل الإمداد والنشاط التجاري عبر ارتفاع تكاليف التشغيل، واضطراب جداول التزويد، وتراجع الإنتاج في القطاعات الأكثر حساسية للجفاف.
## ضرورة التكيف وخفض الآثار
يؤكد أستاذ الدراسات البيئية وتغير المناخ أن استمرار هذه التحولات يفرض على الدول الأوروبية تعزيز سياسات التكيف مع موجات الحر والجفاف. ويتضمن ذلك تحسين نظم الإنذار المبكر، وتطوير خطط إدارة الموارد المائية، وترشيد الاستهلاك، ودعم البنية التحتية التي تقلل من تأثير الحرارة الشديدة على السكان والقطاعات الاقتصادية.
كما ينبغي تعزيز التعاون عبر الحدود لمواجهة الجفاف وتغير تدفقات الأنهار، إضافة إلى الاستثمار في حلول تقلل الهدر وتزيد كفاءة الري وإعادة استخدام المياه حيثما أمكن.
وفي المجمل، يشير سمعان إلى أن ارتفاع الحرارة ليس عاملًا منفصلًا؛ بل يتفاعل مع الرطوبة والرياح والموارد المائية ليصنع سيناريوهات أكثر صعوبة، تستدعي استجابة شاملة تجمع بين الصحة العامة وحماية المياه واستقرار النشاط الاقتصادي.

التعليقات