التخطي إلى المحتوى

يشير اللواء أركان حرب محمد عبد المنعم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية سابقًا، إلى أن المواجهة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة تندرج ضمن نمط من التصعيد المتبادل “وفق حسابات دقيقة”، حيث يحرص الطرفان على توجيه الرسائل السياسية والعسكرية دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة. ويؤكد الخبير أن هذا النوع من التعامل لا يعني غياب التوتر، لكنه يعكس إدراكًا متبادلًا بأن الحرب الشاملة ستكون مكلفة وخطِرة على مصالح الجانبين والمنطقة.

وتابع عبد المنعم خلال استضافته ببرنامج “الحياة اليوم” على قناة الحياة أن طبيعة العمليات المتبادلة بين الجانبين تحمل دلالات واضحة على وجود رسائل محسوبة من الطرفين. فكل عملية تأتي غالبًا ضمن إطار ردع: هدفها رفع الكلفة على الخصم وإظهار الجاهزية، مع تجنب تجاوز ما يمكن أن يُترجم إلى صدام مباشر واسع النطاق. وبحسب هذا التصور، فإن إدارة التصعيد تتم عبر ضبط الإيقاع والحدود الزمنية والمكانية، بحيث يظل مستوى التوتر في منطقة “اللاعودة” بعيدًا عن الانفجار الشامل.

كما لفت رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق إلى أن الضربات الأمريكية السابقة اتجهت في مراحلها الأولى لاستهداف مواقع داخل منطقة الخليج، وهو ما تذهب إليه إيران بوصفه استهدافًا لفئات أو قدرات محدودة (ويُشار إليه في الخطاب الإيراني بمصطلح “البعوض”). ثم يوضح عبد المنعم أن تطور المسار لاحقًا اتجه إلى استهداف مواقع مرتبطة بالقوات الإيرانية المتمركزة على السواحل المطلة على الخليج. وتُفهم هذه الخطوة في إطار الموازنة بين تحقيق أهداف محددة، وبين عدم توسيع مسرح العمليات أو استدراج رد عسكري أكبر.

وفيما يتعلق بتطورات المشهد العسكري، يرى عبد المنعم أن تعقيدات الصراع تظهر في تعدد الأهداف والاعتبارات لدى كل طرف: فإيران تسعى إلى تعزيز قدراتها الردعية وحماية خطوطها ومصالحها الإقليمية، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص قدرة الخصم على تهديد الملاحة أو فرض نفوذ عبر أدوات الضغط غير المباشر. وفي ظل هذا التوازن، تصبح “الرسالة” جزءًا من المعادلة لا يقل أهمية عن “التأثير”.

ومن زاوية أوسع، يمكن قراءة هذا النمط على أنه صراع تسيير إدارة أزمات أكثر من كونه رغبة مباشرة في حرب شاملة. فالتوترات البحرية في مياه الخليج، والاهتمام المتبادل بضمان عدم تعطيل الملاحة أو التصعيد الإقليمي، كلها عوامل تدفع الطرفين إلى اعتماد خطوط حمراء غير معلنة بالقدر نفسه الذي يتم فيه تناقل المؤشرات عبر التصريحات والتحركات العسكرية المحدودة. كما أن وجود قنوات اتصال ضمنية أو إدارة مخاطر (مثل اختيار أهداف بعينها وتحديد حجم الاستجابة) يسهم في تقليل احتمالات الانفجار.

وعليه، فإن خلاصة المشهد—بحسب عبد المنعم—تقوم على أن الطرفين يتحركان داخل إطار من الحسابات الدقيقة، وأن أي تصعيد إضافي يُدار بعناية لتجنب تداعيات مواجهة مفتوحة قد تهدد أمن المنطقة واستقرارها، وتعيد الصراع إلى دائرة التوازن بين الردع والاحتواء بدلًا من الحرب الشاملة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *