تؤكد أستاذة وأستاذة بكلية الدراسات الأفريقية أن الشراكة بين مصر وأفريقيا قائمة بالفعل، وأنها شهدت تطورًا ملحوظًا منذ عام 2014، بعد أن كانت الفترات السابقة ترتبط أكثر بزخم سياسي حول التحرر من الاستعمار واتخاذ مسارات مختلفة. ووفقًا للدكتور أحمد عبد الدايم، فإن المقاربة الحالية تقوم على فكرة رابح–رابح، وتغليب المنافع المشتركة، وترسيخ البعد الأفريقي–الأفريقي في المشروعات التنموية، إلى جانب تعظيم “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية”، وهو توجه يدعمه الاتحاد الأفريقي ويعمل على تأسيسه بشكل واسع.
كما أشار عبد الدايم خلال لقاء تليفزيوني عبر الفضائية المصرية إلى أن طريقة الخطاب المصري تعكس هذا المنهج؛ فالدولة المصرية لا تتعامل بمنطق الفردية، ولا تركز على المصالح المصرية وحدها داخل القارة الأفريقية، بل تقدم نفسها باعتبارها جزءًا من المنظومة الأفريقية. وتظهر هذه الفلسفة بصورة أوضح عندما تتبوأ مصر مناصب قيادية داخل المؤسسات الأفريقية أو في المهام التي يُختار فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي لرئاسة لجان داخل الاتحاد الأفريقي، مثل لجان المناخ وغيرها من مجالات التنمية. ففي كل هذه الأدوار، تأتي الأولوية لموضوعات التنمية وتحسين ظروف الشعوب، وليس حصر الحديث في المصالح الوطنية الضيقة.
ويرى الباحث أن جزءًا من قبول الأفارقة لمصر يعود إلى طبيعة اللغة السياسية التي تستخدمها: لغة الجماعة لا لغة الفرد، واعتبار مصر شريكًا في تحقيق أهداف القارة. ومن هذا المنطلق، تعمل مصر وفق تصور يقوم على “نقل الخبرة” بدل الاكتفاء بالشعارات. فحين تتعامل مصر داخل حدودها الوطنية، فإنها تضع التنمية كهدف رئيسي عبر بناء البنية التحتية وتطوير الخدمات وإعادة تأهيل ما هو قائم، وهذه التجربة، بحسب عبد الدايم، يمكن استلهامها في أفريقيا، خاصة أن قطاعات واسعة من القارة لا تمتلك بنية تحتية كافية أصلًا.
وتبرز الحاجة الملحة للتنمية والبنية التحتية عند النظر إلى واقع الطاقة في القارة. ويشير عبد الدايم إلى أن قرابة 50% من سكان تنزانيا لا تصلهم الكهرباء، وأن أكثر من 65% من القارة الأفريقية لا يتوفر لديها كهرباء أصلًا. ويرى أن هذه الأرقام تعكس حجم الفجوة مقارنة ببقية العالم، وتضع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في قلب الأولويات. فالكهرباء ليست مجرد خدمة، بل هي عامل تمكين للصناعة والخدمات والتعليم والصحة، وأي تأخر فيها ينعكس مباشرة على فرص التنمية.
وبخصوص أسباب التأخر في خطط التنمية، يوضح عبد الدايم أن الاستقلال في بداياته كان منقوصًا في كثير من الدول الأفريقية، إذ ظل مرتبطًا بالتبعية الاقتصادية. وقد حافظت بعض الدول الاستعمارية التقليدية على صلاتها بمستعمراتها السابقة عبر اتفاقيات عسكرية أو تعاون مشترك، ما جعل مسار السيادة الاقتصادية محدودًا. ويستشهد الباحث أيضًا بحالة خاصة لمصر خلال مرحلة ما قبل اكتمال التحولات، مثل ارتباط ملف قناة السويس بإمكانية عودة السيطرة البريطانية قبل انتهاء تلك المرحلة، وهو ما يوضح أن الاستقلال السياسي دون معالجة أعمق للهياكل الاقتصادية قد يخلق فجوة تنموية ممتدة.
ومع ذلك، يؤكد المتحدث أن الاتجاه الجديد—قائم على الشراكة والمنافع المشتركة—يسهم في تغيير طبيعة العلاقات بين مصر وأفريقيا من مجرد تبادل مصالح إلى بناء مشاريع تنموية مشتركة. وفي هذا السياق، يصبح التعاون في مجالات مثل الطاقة والمناخ والبنية التحتية عنصرًا أساسيًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتجاوز التحديات البنيوية التي تعاني منها أجزاء كبيرة من القارة. وبذلك تتجسد “الشراكة الأفريقية–الأفريقية” لا كفكرة خطابية فحسب، بل كمنظومة عملية تُترجم إلى خطط ومشروعات تدعم الإنسان وتقلص فجوات التنمية، بما يعزز مكانة أفريقيا وقدرتها على إنتاج حلولها بنفسها بالتعاون مع شركائها.

التعليقات