حذر أكرم عطا الله، الكاتب والباحث الفلسطيني، من صعوبة المرحلة المقبلة ضمن مسار اتفاق غزة، مشيرًا إلى أن قدرة الفصائل الفلسطينية على الالتزام بمتطلبات المرحلة الثانية ما تزال محل تساؤل، خصوصًا في ظل سنوات طويلة من الانقسام السياسي والتنظيمي وتعثر مسارات المصالحة التي جرت برعاية أطراف ووسطاء إقليميين.
وخلال حديثه في برنامج «الحياة اليوم» المذاع عبر قناة «الحياة»، أكد عطا الله أن الظروف الراهنة تفرض على الفصائل مراجعة منهجها في التعامل مع التطورات، لافتًا إلى أن التحديات والضغوط التي يواجهها الفلسطينيون تختلف عن المراحل السابقة من حيث طبيعتها وحجمها، كما أن القضية الفلسطينية تمر بلحظة شديدة الحساسية.
وأشار إلى أن الحرب في قطاع غزة خلّفت تداعيات إنسانية وسياسية ومادية واسعة، وأن حجم الدمار الذي أصاب القطاع انعكس مباشرة على بنية الحركة الوطنية الفلسطينية وقلّص قدرتها على العمل بفاعلية في بيئة سياسية مستقرة. وأوضح أن آثار الحرب لا يمكن اختزالها في الخسائر المتعلقة بالمباني والبنية التحتية فحسب، بل تمتد إلى العلاقات الاجتماعية وملفات الحكم والشرعية الوطنية، إضافة إلى تأثيرها على الموقف السياسي العام للفلسطينيين.
وأضاف عطا الله أن القطاع كان على مدار عقود من أهم مراكز الحراك الوطني الفلسطيني، وأن سلسلة التحولات التي مرّ بها الفلسطينيون خلال السنوات الماضية—من محاولات التوصل إلى حلول سياسية ومسارات تفاوضية، إلى مواجهات عسكرية واسعة—لم تنجح في الوصول إلى الأهداف النهائية للشعب الفلسطيني، وهو ما وسّع الفجوة بين المؤسسات والمواقف الداخلية.
وأكد أن استمرار دائرة التصعيد والانقسام يضعف الموقف الفلسطيني ويجعل التعامل مع الاستحقاقات السياسية المقبلة أكثر تعقيدًا، في وقت تتسارع فيه المتغيرات الإقليمية والدولية وتزداد فيه الضغوط على كل الأطراف.
وتناول الباحث ملف إنهاء الانقسام باعتباره ضرورة ملحّة لا يمكن تأجيلها، مؤكدًا أنه لم يعد مجرد ملف داخلي يمكن التعامل معه في ظروف أفضل، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بمستقبل القضية الفلسطينية وقدرة الفلسطينيين على مواجهة المرحلة المقبلة من اتفاق غزة. وأشار إلى أن محاولات المصالحة شهدت خلال سنوات عديدة لقاءات وحوارات، إلا أن الخلافات السياسية والتنظيمية حالت في مرات كثيرة دون التوصل إلى اتفاق نهائي ينهي حالة الانقسام.
ولفت عطا الله إلى أن استمرار الخلافات الداخلية يستهلك جزءًا كبيرًا من الجهد السياسي، بينما تحتاج القضية إلى توحيد المواقف وترتيب الأولويات، خصوصًا بعد ما فرضته الحرب على القطاع من تحديات مركّبة تتعلق بالحياة اليومية للناس وإدارة المؤسسات واستعادة القدرة على التحرك السياسي.
كما أشاد الباحث بالدور المصري في ملف المصالحة، موضحًا أن القاهرة حافظت على انخراطها في هذا المسار رغم تعقيدات المشهد الإقليمي وتعدد الأزمات التي شهدتها المنطقة. وأكد أن مصر استضافت على مدار سنوات لقاءات ومشاورات بين الفصائل وسعت إلى تقريب وجهات النظر بينها، معتبرة أن إنهاء الانقسام يمثل عنصرًا أساسيًا لدعم القضية الفلسطينية.
وبيّن أن التحرك المصري لا يقتصر على مسار واحد، بل يشمل تواصلًا مع أطراف فلسطينية مختلفة، إضافة إلى التعامل مع الملفات السياسية والإنسانية المرتبطة بالأزمة، بما يعكس أهمية الدور المصري في إدارة ملف المصالحة وتهيئة الظروف لعودة التوافق الداخلي.
وشدد عطا الله على أن توحيد الفصائل يبقى مهمة معقدة بفعل تراكم الخلافات على مدار سنوات، إلا أن استمرار الانقسام في الظروف الحالية قد تكون كلفته أكبر من أي وقت مضى. وأوضح أن بعض الأطراف الفلسطينية قد لا تكون أدركت بالكامل طبيعة الدور الذي تقوم به مصر، مؤكدًا أن الجهود المصرية تهدف أساسًا إلى دعم القضية وتقريب المواقف، وليس الانحياز إلى طرف على حساب آخر.
ومن ناحية المفهوم السياسي للمصالحة، أكد الباحث أن «الوحدة ليست صفقة سياسية»، وأن الوصول إلى مصالحة حقيقية يتطلب تغييرًا في طريقة النظر إلى الوحدة الوطنية، بحيث لا تتحول إلى آلية لتقاسم النفوذ أو التفاوض على المواقع بقدر ما تكون مشروعًا وطنيًا جامعًا يراعي مصلحة الناس ومقومات النظام السياسي الفلسطيني.
كما شدد على أن المصلحة الوطنية يجب أن تكون أولوية لدى جميع الفصائل، خاصة في ضوء الظروف الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون بعد الحرب. ورأى أن الحفاظ على القضية يتطلب موقفًا فلسطينيًا أكثر تماسكًا وقدرة على التعامل مع الاستحقاقات السياسية المقبلة، بما في ذلك ما يرتبط بمرحلة ما بعد الحرب ومتطلبات إعادة الإعمار، وإعادة بناء مؤسسات قادرة على تمثيل الفلسطينيين والتفاوض باسمهم.
واختتم عطا الله حديثه بالتأكيد على أن نجاح أي مسار لإنهاء الانقسام يتوقف على استعداد جميع الأطراف لتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات التنظيمية، معتبراً أن الوحدة الفلسطينية باتت ضرورة للحفاظ على القضية ومنع تآكل ما تحقق عبر عقود من النضال، وأن المرحلة المقبلة تتطلب مسؤولية ووعيًا سياسيًا أعلى لضمان عدم تعثر اتفاق غزة أو تفريغ مضمونه من محتواه الوطني.

التعليقات