أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، الخبير الأثري، أن الطفرة الكبيرة التي تشهدها مصر في أعمال ترميم وإحلال وتجديد المساجد تمثل أكثر من مجرد تطوير عمراني، بل تُعد استراتيجية متكاملة ترتبط بالهوية الوطنية وتدعم السلام الاجتماعي وتفتح آفاقاً جديدة للسياحة والتراث على المستويات كافة. وأشار إلى أن المشروعات شملت نحو 14 ألف مسجد بتكلفة تقارب 15 مليار جنيه، بما يعكس توجه الدولة لربط الاستثمار في التراث بالبعد الاجتماعي والثقافي.
وأوضح ريحان خلال لقائه مع الإعلامية لبنى عسل في برنامج “الحياة اليوم” على قناة “الحياة” أن البعد المحلي لهذه الأعمال يتمثل في تعزيز العلاقة الوجدانية بين المصريين والمسجد. فالمسجد لا يقتصر على كونه مكاناً لأداء الصلاة، بل يؤدي دوراً مجتمعياً يتجسد في ترسيخ قيم التراحم والتكافل، وتوفير مناخ من التعايش ينعكس على وحدة المجتمع. كما لفت إلى أن المسجد حاضر بقوة في الذاكرة الشعبية، حيث يجتمع الناس حوله في المناسبات الكبرى مثل صلاة العيد، ما يجعله عنصراً جامعاً يتجاوز الاختلافات ويصون اللحمة المجتمعية.
وأضاف أن ترميم المساجد—خصوصاً ذات الطابع الأثري—يُعيد إحياء الجذور التاريخية ويقوي معنى الانتماء للدين والتراث. فالحضارة المصرية القديمة، بحسب ريحان، قامت على فكر ديني تشكلت منه منظومة أخلاق وقيم ساهمت عبر العصور في الحفاظ على تماسك الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن صون المساجد الأثرية لا يعني المحافظة على مبانٍ فحسب، بل يحافظ أيضاً على سردية وطنية وهوية ثقافية متصلة، ويُسهم في نقلها للأجيال الجديدة.
كما شدد ريحان على أن تطوير المساجد ضمن “مسار آل البيت” يعزز الروابط العربية والتاريخ المشترك، ويمنح الزائر تجربة ثقافية وروحية تتجاوز فكرة المكان إلى معنى الحكاية المتجذرة فيه. وتأتي هذه الرؤية بوصفها امتداداً لتقاليد تاريخية عميقة، أبرزها “طريق الحج المصري القديم” الذي كان عبر سيناء ملتقى لحجاج أفريقيا والأندلس والمغرب العربي. وأكد أن التطوير الحالي يسهم في تنشيط هذا الإرث، وزيادة تدفق الزوار من الدول العربية ممن يبحثون عن استعادة الذاكرة القومية وفهم أبعاد التاريخ الديني المشترك.
وعلى المستوى الإقليمي، رأى ريحان أن تحديث المسارات والتراث المرتبط بالعبادة والحج يعزز مكانة مصر كحاضنة للتاريخ الديني العربي والإسلامي، ويخلق فرصاً أوسع للتعاون الثقافي والزيارات الرسمية والشعبية بين الدول. كما يفتح المجال لتطوير خدمات الزوار من حيث الإرشاد وتسهيل الحركة وربط التجارب الروحية بالمحتوى التاريخي.
أما عالمياً، فاعتبر ريحان أن مصر تضع تصوراً جديداً لـ“السياحة الروحانية” يركز على منح الزائر طمأنينة وسكينة نفسية عبر مسارات تاريخية وروحية ذات قيمة عالية. وأوضح أن المشروعات الجارية لإحياء الطرق والمعالم، وعلى رأسها طريق نبي الله موسى عليه السلام، تعزز صورة مصر على خريطة السياحة والتراث الإنساني، وتقدم نموذجاً يجمع بين العبادة والثقافة والمعرفة.
وتكتمل الصورة—وفق ريحان—عندما تتكامل جهود الترميم مع إتاحة الفهم للزوار عبر محتوى تعريفي وإرشادي، وإبراز القيمة المعمارية والفنية للمساجد، وتهيئة بيئات آمنة ومريحة للزيارة. وبهذا تصبح المساجد محطات روحية وحضارية تسهم في تنشيط الوعي بالتراث، وتطوير تجربة الزائر، وتعزيز مكانة مصر كوجهة تجمع بين عمق التاريخ وأصالة الهوية وامتداد الرسالة الروحية.

التعليقات