قال باتريك ثيروس، الدبلوماسي الأمريكي السابق، إنّه لا يملك يقينًا بأن الدعم الأمريكي لحلف الناتو قد تراجع بصورة كبيرة بالمعنى العملي، رغم الضجيج السياسي المرتبط بهذا الملف. ورأى أن ما يجري يمكن قراءته جزئيًا في ضوء أسلوب الرئيس دونالد ترامب وتوجهاته، إضافة إلى تأثير قاعدته الانتخابية، حيث كان يكرر خلال حملاته الانتخابية أن دولًا أوروبية “تتمتع بالرفاهية” ولا تدفع ما يكفي مقابل الحماية التي تحصل عليها عبر الولايات المتحدة.
وفي مداخلته ضمن برنامج “ملف اليوم” على قناة القاهرة الإخبارية، الذي يقدمه الإعلامي ياسر رشدي، أوضح ثيروس أن أوروبا، بعد انتهاء الحرب الباردة، لم تُحسن الاستثمار في قدراتها الدفاعية مقارنةً بحاجتها الفعلية. وأضاف أن الرئيس ترامب ينظر إلى هذا التراخي على أنه غير مقبول، وهو ما يفسر دفعه باتجاه تشديد الحديث حول الالتزامات المالية بين الولايات المتحدة وشركائها داخل الحلف.
كما أشار المتحدث إلى أن ديناميكيات العلاقة بين واشنطن والناتو شهدت تحولات مهمة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع وصول ترامب إلى السلطة أو بروز تأثيره السياسي. ولفت إلى أن الرئيس ترامب، إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يُعتبران من العوامل التي ساهمت—وفق ما يراه—في دفع الأوروبيين إلى مراجعة أولوياتهم ورفع ميزانيات الدفاع. واعتبر أن التهديدات الأمنية المتزايدة في محيط أوروبا عززت هذا الاتجاه، ودفعت الحكومات الأوروبية إلى تسريع الإنفاق العسكري، وتحسين الجاهزية وتطوير قدرات الردع.
وبخصوص علاقة ترامب بحلف الناتو، أكد ثيروس أن الرئيس الأمريكي يبدو وكأنه يحاول الابتعاد عن الحلف أو على الأقل تقليل حضوره في الخطاب المؤسسي، سواء بدافع حسابات سياسية أو بسبب عدم إدراك كافٍ للأهمية الاستراتيجية التي يمثلها الناتو للولايات المتحدة. وأوضح أن الحلف ليس مجرد تجمع أمني أوروبي، بل هو منظومة ترتبط مباشرةً بمصالح واشنطن عبر إدارة الأزمات وتنسيق الردع العسكري وتبادل المعلومات وبناء قدرات مشتركة.
ولتعزيز فهم الصورة، يمكن القول إن النقاشات داخل الولايات المتحدة حول الناتو عادة ما تدور حول “تقاسم الأعباء” بين الدول الأعضاء: كم تدفع كل دولة مقابل أمنها، وكيف تُترجم المساهمات إلى قدرات فعلية على الأرض. وفي هذا السياق، فإن أي تواصل انتخابي ينتقد ارتفاع الاعتماد الأوروبي على المظلة الأمريكية قد ينعكس على طبيعة الخطاب السياسي تجاه الناتو، حتى إذا بقيت قواعد التعاون قائمة على أرض الواقع.
النتيجة، بحسب طرح ثيروس، أن المسألة ليست بالضرورة “انسحابًا” أو “تخليًا” مباشرًا بقدر ما هي إعادة تموضع: ضغط سياسي ومالي لإجبار الأوروبيين على رفع مساهماتهم، مع مراقبة متغيرات التهديدات التي أعادت تسليط الضوء على قيمة الحلف. ومع استمرار الحديث عن توازن القوى بين الولايات المتحدة وشركائها، تبقى مفاتيح الاستقرار في هذه العلاقة مرهونة باستثمارات الدفاع الأوروبية والتوافق السياسي داخل الحلف على توزيع الأعباء وتوحيد الأهداف.

التعليقات