حذّر الدكتور عبد المسيح سمعان، أستاذ الدراسات البيئية، من تصاعد تأثير موجات الحر الشديدة التي تضرب أوروبا خلال السنوات الأخيرة، مؤكدًا أن تزايد شدتها وتكرارها يرجع إلى عوامل مناخية واسعة النطاق، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة عالميًا وتغير أنماط المناخ. وأوضح أن هذه الموجات لا تظل مشكلة بيئية فحسب، بل تمتد لتؤثر مباشرة في موارد المياه والزراعة وصحة الإنسان، كما ترفع احتمال اندلاع حرائق الغابات واتساع نطاقها.
وأشار سمعان، في حديثه خلال برنامج صباح الخير يا مصر، إلى أن ارتفاع متوسط حرارة الأرض بنحو 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية ليس تغيرًا بسيطًا أو ظرفيًا. ولفت إلى أن هذا الرقم يعكس تحولًا حقيقيًا في مناخ الكوكب على المدى الطويل، وليس مجرد تقلبات عابرة في الطقس.
وبين أن من الظواهر الجوية التي تفسّر استمرار موجات الحر لفترات أطول ما يُعرف بـالقباب الحرارية، والتي تؤثر في كيفية انتقال الحرارة عبر طبقات الجو. ففي ظل مرتفع جوي يعمل كغطاء فوق المنطقة، يبقى الهواء الساخن محصورًا قرب سطح الأرض، ما يحد من تشتت الحرارة ويجعل درجات الحرارة مرتفعة لفترة أطول من المعتاد.
وأوضح أن القباب الحرارية ليست ظاهرة جديدة؛ فهي كانت تحدث من قبل أيضًا، إلا أن تغير المناخ ساهم في تقوية الظروف التي تهيئ لظهورها واستمرارها. ونتيجة لذلك، تتغير مدة موجات الحر: ففي حالات كانت موجات الحر تستمر يومين أو ثلاثة، أصبحت تمتد في بعض السيناريوهات إلى أكثر من عشرة أيام أو حتى أسبوعين.
وأضاف أستاذ الدراسات البيئية أن استمرار الحرارة المرتفعة يرافقه غالبًا غياب الأمطار، وهو ما يؤدي إلى جفاف التربة والنباتات، ويقلل من رطوبة الغابات والأراضي الزراعية. ومع تقدم موجة الحر دون فترات تبريد كافية، تصبح الغطاءات النباتية أكثر قابلية للاشتعال، ما يخلق ظروفًا مواتية لحرائق الغابات. كما أن طول الموجة واشتدادها يرفعان صعوبة السيطرة على الحرائق وتقليل فرص احتوائها سريعًا.
وأكد سمعان أن آثار موجات الحر لا تنحصر في البيئة فقط، بل تشمل صحة الإنسان أيضًا. فالتعرض لفترات مطوّلة لحرارة مرتفعة قد يزيد من مخاطر الإجهاد الحراري وضربات الحرارة، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن، إضافة إلى الفئات التي تعاني من أمراض مزمنة مثل أمراض القلب والجهاز التنفسي. كما قد تؤثر موجات الحر على جودة النوم والتركيز، وترفع العبء على أنظمة الرعاية الصحية.
ولفت إلى أن التغير المناخي لا يعني ارتفاعًا في درجات الحرارة فقط، بل يشمل أيضًا تغير أنماط الرياح والأمطار والضغط الجوي، وهو ما ينعكس على طبيعة الظواهر الجوية ويزيد احتمال تكرار موجات حر أكثر شدة واستمرارًا. وبتغير هذه الأنماط، قد تصبح المناطق التي تعاني أصلًا من الجفاف أكثر عرضة لاضطرابات مناخية متلاحقة، بما فيها جفاف أطول وفصول أكثر قسوة.
ومن جانبه، دعا إلى التعامل مع موجات الحر بوصفها إنذارًا مناخيًا يتطلب استراتيجيات وقائية، مثل تعزيز خطط الطوارئ الصحية والإنذار المبكر، ودعم إدارة موارد المياه، وتحسين خطط حماية الغابات عبر تقليل عوامل الاشتعال ومراقبة مناطق الخطورة خلال فترات القباب الحرارية.
وخلاصة القول: القباب الحرارية تُعد عاملًا رئيسيًا في إطالة موجات الحر في أوروبا، ومعها تتزايد احتمالات الجفاف وحرائق الغابات، بينما تتوسع الأضرار لتشمل الإنسان والزراعة ومصادر المياه. وكلما زادت قوة التغير المناخي في تشكيل الظروف الجوية، زادت الحاجة إلى إجراءات استباقية لحماية المجتمعات والأنظمة البيئية.

التعليقات