قال الوزير الأردني الأسبق الدكتور أمين المشاقبة إن طرح وضع الأراضي الفلسطينية تحت ائتمان أو إشراف دولي يبدو نظرياً ويصعب تطبيقه على أرض الواقع، في ظل تعقيدات المشهد السياسي والأمني وتشابك المصالح الدولية والإقليمية. وأوضح أن جوهر المشكلة يتمثل في أن العقل الإسرائيلي يرفض، وفق ما يراه، قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة، ويعمل عملياً على تحويل حل الدولتين من مسار سياسي إلى وقائع على الأرض تعيد رسم حدود الفلسطينيين.
وفي مداخلة على شاشة القاهرة الإخبارية ضمن برنامج “ماذا حدث؟” مع الإعلامي جمال عنايت، شدد المشاقبة على أن إسرائيل تواصل سياسات واسعة تستهدف البنية الديموغرافية والجغرافية للضفة الغربية. ولفت إلى أن سياسة تفريغ القرى والأرياف تدفع السكان للانتقال إلى المدن الرئيسية، بما يضعف القدرة على الصمود في المناطق الريفية، ويؤثر على الاقتصاد المحلي وامتداد المجتمعات الفلسطينية. كما أشار إلى أن ذلك يجري بالتزامن مع توسيع الاستيطان المستمر وتكثيف إجراءات تهويد القدس.
وأكد أن مشاريع التوسع الاستيطاني لا تقف عند إنشاء مستوطنات جديدة فقط، بل تترافق مع مخططات للربط بين المستوطنات عبر شبكة طرق وحواجز وبنى تحتية تخدم السيطرة، بهدف ترسيخ واقع جغرافي يصعب تغييره لاحقاً. وأوضح أن هذه الخطوات تأتي ضمن مقاربة ترمي إلى فرض “حدود الأمر الواقع” وتغيير الخريطة الفعلية للضفة بما يحد من قابلية إقامة دولة فلسطينية.
وشدد المشاقبة على أن إسرائيل تستند إلى روايتها التاريخية لتبرير سياساتها، بينما يجري تجاهل حقوق الفلسطينيين والمرجعيات الدولية التي تعترف بحقوقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم. وفي هذا السياق، اعتبر أن الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى وإعادة إنتاج سياسات التقسيم الزماني والمكاني في القدس والأراضي المحتلة ليست مجرد أحداث متفرقة، بل تمثل استمرار نهج يهدف إلى السيطرة على المشهد الديني والسياسي وعرقلة أي مسار يفضي إلى تسوية حقيقية.
وربط المشاقبة هذه السياسات بما قد يتبقى من مساحة الضفة الغربية في حال استمرار وتيرة الضغوط والتوسع، محذراً من أن نسبة الأراضي التي يمكن أن تبقى قابلة للفعل الفلسطيني قد تنخفض إلى حدود تقارب 18% وفقاً لطبيعة القيود والتقسيمات والالتفاف على الحقوق. ورأى أن أخطر ما في الأمر ليس تراجع المساحة فقط، بل ما يرافق ذلك من مخاطر تفكيك التجمعات الفلسطينية والضغط لتهجير السكان.
ومن أجل مواجهة هذا المسار، دعا المشاقبة إلى وجود موقف عربي فاعل وحقيقي، لا يقتصر على البيانات، بل يتحول إلى تحرك سياسي ودبلوماسي واقتصادي وقانوني يدعم حقوق الشعب الفلسطيني ويحافظ على ما تبقى من الأراضي. كما دعا إلى تفعيل أدوات الضغط على السياسات الاستعمارية، وتعزيز المسارات التي تضمن احترام القانون الدولي والقرارات ذات الصلة، نظراً لأن أي تأخير في مواجهة الوقائع على الأرض يجعل مساحات الحل أصغر وأكثر تعقيداً.
وتتطلب المرحلة، وفقاً للمقاربة التي عرضها المشاقبة، توافقاً عربياً وإسناداً مؤسسياً يمنع تحويل الأرض إلى “ملف وقائع” لا يعود قابلاً للتفاوض. فمع استمرار الاستيطان وتكريس القيود على الحركة والبناء والتنقل، تصبح التسوية أصعب، وتتعزز المخاوف من أن تفقد الأراضي الفلسطينية مقومات الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، ما يستدعي تحركاً عاجلاً لحماية السكان والأرض معاً.

التعليقات