التخطي إلى المحتوى

كشفت فرق بحثية في المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية تفاصيل الزلزال الأخير الذي بلغت قوته 5.5 درجة على مقياس ريختر، مشيرين إلى أن النشاط الزلزالي يرتبط بالحركة المستمرة للصفائح التكتونية في منطقة البحر الأحمر. ووفقًا للباحثين، فإن الفاصل الجيولوجي في البحر الأحمر ينبع من تباعد الصفيحة الإفريقية عن الصفيحة العربية، ما يؤدي إلى نشوء صدوع وانكسارات داخل القشرة الأرضية، خصوصًا في نطاق خليج السويس وخليج العقبة.

وبحسب ما تم عرضه ضمن برنامج «مصر تستطيع» مع الإعلامي أحمد فايق، فإن هذا النوع من التباعد لا يقتصر أثره على منطقة البحر الأحمر، بل ينعكس على مناطق محيطة عبر تراكم الضغط داخل الصخور ثم تفريغ الطاقة على شكل هزات على فترات متفاوتة. ومن هنا تأتي ملامح النشاط الزلزالي التي رُصدت تاريخيًا في عدة مناطق قريبة من البحر الأحمر وخليج السويس والعقبة.

كما أوضح الباحثون أن الزلزال الأخير يختلف عن زلزال دهشور عام 1992 من حيث موقع مركز الزلزال وطريقة انتقال الموجات الزلزالية وتأثيرها على المناطق السكنية. فمركز الزلزال الأخير كان — وفق التقديرات — أبعد نسبيًا عن الكتل المكتظة في القاهرة والدلتا، كما أن اتجاه ومسار الموجات لم يكن موجها بشكل مباشر نحو أكثر مناطق السكان كثافة، ما قلل من حدة التأثير مقارنة بحوادث أخرى.

وفي المقابل، كان زلزال 1992 أكثر تأثيرًا على القاهرة والمناطق القريبة منها، ويرجع ذلك إلى قرب مركزه من الكتلة السكنية، إضافة إلى ظروف البناء في تلك الفترة. إذ أشار الباحثون إلى أن بعض المناطق العشوائية وقتها اتسمت بضعف في المواصفات الإنشائية وتفاوت في الالتزام بمتطلبات ومعايير الأمان، مقارنة بما هو معمول به حاليًا من اشتراطات فنية أحدث.

ولتعزيز فهم مدى جاهزية المنشآت الحديثة أمام الزلازل، أوضح المعهد أن دوره لا يقتصر على الرصد، بل يمتد إلى الاستشارات الفنية لبعض مشروعات المدن الجديدة. وتشمل هذه الاستشارات إجراء دراسات معمقة لطبيعة التربة والخصائص الجيولوجية، ودمج نتائج القياسات الزلزالية في مرحلة التخطيط والتصميم قبل بدء التنفيذ. ويُبنى التصميم وفق منهج يعتمد على قراءة علمية لاحتمالات النشاط الزلزالي في كل موقع، بهدف رفع معدلات السلامة وتقليل المخاطر.

ومن الأمثلة التي استشهد بها الباحثون أن مباني العاصمة الإدارية الجديدة — وفي مقدمتها «البرج الأيقوني» — صُممت وفق أكواد ومعايير مقاومة الزلازل الحديثة، بحيث تستطيع مقاومة هزات أرضية أقوى من مستويات القوى التي سُجلت تاريخيًا في المنطقة. ويعتمد هذا النهج على استخدام حلول هندسية تضع في الحسبان خصائص القواعد والأساسات والاستجابة الديناميكية للمباني، مع مراعاة العوامل التي قد تزيد أو تقلل الاهتزازات حسب نوع التربة وعمقها.

كما شدد الباحثون على أن التقييم لا يقوم فقط على بيانات أجهزة الرصد الحديثة، بل يستند كذلك إلى سجل زلزالي تاريخي طويل امتد لمئات السنين. فعملية جمع وتحليل المعلومات التاريخية تتضمن تحويل الأوصاف والوقائع المتعلقة بشدة الزلازل وتأثيراتها إلى مؤشرات رقمية عبر معادلات ونماذج رياضية، بما يساعد على بناء صورة أقرب للدقة عن السيناريوهات المتوقعة للنشاط الزلزالي.

وتسهم هذه المقاربة المتكاملة — من الرصد والتاريخ الجيولوجي إلى النمذجة الرقمية والتخطيط العمراني — في دعم قرارات المدن وتصميم المنشآت بشكل يتماشى مع واقع المخاطر الطبيعية. وبذلك، يصبح فهم أسباب الزلازل وتقدير أثرها أداة أساسية لتحسين جاهزية المدن وتقليل آثار الهزات مستقبلاً، مع مواصلة تحديث الدراسات باستمرار.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *