التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور محمد المهدي، استشاري الطب النفسي، أن طريقة استجابة الإنسان للفشل والأزمات هي العامل الأهم في تحديد قدرته على تجاوز ما يمر به، مشيرًا إلى أن الأفراد غالبًا ما ينقسمون إلى نمطين رئيسيين في التعامل مع الأحداث المؤلمة. النمط الأول يميل إلى التركيز على المشاعر السلبية والانغماس في الإحباط، بينما يتجه النمط الثاني إلى البحث عن حلول عملية واستخلاص الدروس من التجربة.

وأوضح المهدي، ضمن حديثه عبر برنامج «الستات مايعرفوش يكذبوا» المذاع على قناة «cbc»، أن بعض الأشخاص يُبالغون في تضخيم المشكلة إلى درجة اعتقادهم أنها تمثل نهاية الطريق، فيغرقون في مشاعر مثل الحزن والغضب والشعور بالظلم، وهو ما يؤدي غالبًا إلى تعطيل التفكير العقلاني وتراجع القدرة على اتخاذ خطوات فعّالة. في المقابل، يوضح أصحاب الشخصية الأكثر مرونة أنهم لا يمنعون أنفسهم من الشعور بالحزن، لكنهم يحولون الحزن سريعًا إلى حركة ذهنية بناءة عبر طرح الأسئلة الصحيحة.

وأضاف أن الأسئلة التي تساعد على الخروج من دوامة الفشل عادة تكون واضحة ومحددة، مثل: لماذا حدث ما حدث؟ وما العوامل التي كانت خارج سيطرتي؟ وما الذي أستطيع فعله الآن بشكل واقعي؟ وكيف يمكنني تقليل تكرار الخطأ في المرة القادمة؟ هذه المقاربة تساعد الشخص على الانتقال من وضعية “أنا فشلت” إلى وضعية “ماذا تتطلب المرحلة القادمة؟”.

وتابع استشاري الطب النفسي أن تحليل أسباب الفشل لا يهدف فقط إلى لوم الذات أو البحث عن معوقات عامة، بل إلى اكتشاف نقاط الضعف بصورة دقيقة؛ فقد تكون المشكلة مرتبطة بقلة الجهد، أو سوء التخطيط، أو التشتت والانشغال بأمور بعيدة عن الهدف. كما أن فهم نمط السلوك الذي أدى إلى التعثر يساعد على وضع خطة تطوير تتضمن تعديل الأولويات، وتحسين إدارة الوقت، وبناء مهارات جديدة بدل تكرار نفس الأسلوب دون مراجعة.

ولتعزيز هذا التحول، يمكن—بحسب منطق الخبراء—اتباع خطوات عملية قصيرة المدى: أولًا، تهدئة الانفعال عبر التنفس العميق أو الكتابة التفصيلية لما حدث بدون مبالغة. ثانيًا، فصل الوقائع عن التفسيرات الذاتية، أي التمييز بين “ما الذي حدث فعلًا؟” و”ماذا يعني ذلك عني؟”. ثالثًا، تحديد درس واحد محدد يمكن تطبيقه فورًا، بدل وضع قائمة طويلة من اللوم. رابعًا، تحويل الدرس إلى إجراء قابل للقياس خلال وقت محدد، مثل تحسين خطة العمل الأسبوعية أو تقليل عوامل التشتت أو طلب دعم متخصص عند الحاجة.

وأكد المهدي أن الأزمات يمكن أن تكون فرصة حقيقية للتعلم واكتساب الخبرة، لأن الفشل يفتح بابًا للمراجعة والتعديل، ويمنح الشخص فرصة لبناء استراتيجيات أكثر نضجًا. كما شدد على أن قصص العظماء تقدم مثالًا واضحًا على أن الفشل ليس نهاية المطاف، بل قد يكون نقطة انطلاق للنجاح عندما يقترن بالدعم والاستمرارية.

واستشهد بتوماس إديسون الذي واجه صعوبات كبيرة في طفولته، مؤكدًا أن دعم والدته وثقتها بقدراته كانا عاملًا محوريًا في تحول تجربته من تعثر إلى مسار إنجاز طويل. ورسالتُه النفسية هنا أن الفشل قد يصبح مصدرًا للحكمة والإبداع عندما يتعلم الإنسان كيف يتعامل معه بطريقة متوازنة: شعور إنساني طبيعي، ثم عقلانية وخطوات واضحة.

في النهاية، يخلص المهدي إلى أن تجاوز الأزمة لا يبدأ بتجاهل الألم، بل بإدارته وتحويله إلى معرفة قابلة للتطبيق، عبر فهم أسباب الفشل، واتخاذ إجراءات صغيرة لكن مستمرة، وبناء ثقة جديدة مبنية على التعلم لا على التنميط أو جلد الذات.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *