التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي، أن الأسرة هي العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل شخصية الطفل، وأن أي خلل في أساليب التربية قد يترك بصمات نفسية تمتد لسنوات طويلة. وأوضح أن التربية السليمة تقوم على معادلة دقيقة بين **الحزم** و**الدعم النفسي**؛ فالإفراط في القسوة أو الحماية الزائدة قد ينتج عنه طفل ضعيف الثقة بنفسه، محدود القدرة على المثابرة، ويجد صعوبة في تحمل المسؤولية.

وفي حديث خلال برنامج “الستات مايعرفوش يكدبوا” على قناة CBC، شدد الدكتور محمد المهدي على أن من أكثر الأخطاء شيوعًا داخل بعض الأسر هو التعامل مع الإخفاقات الدراسية أو التعثر في تحقيق الأهداف عبر اللوم القاسي. وبيّن أن استخدام عبارات مثل: **”أنت فاشل”** أو الإتيان بتعليقات جارحة، أو مقارنة الطفل بمن هم حوله من أقارب وأصدقاء، قد يؤدي إلى آثار نفسية بالغة الخطورة. فالمقارنات المتكررة تزرع الشعور بالنقص، وتضع الطفل أمام توقعات غير واقعية، خصوصًا عندما تفرض الأسرة أهدافًا كبيرة دون توفير الدعم والمهارات والتهيئة اللازمة لتحقيقها. ومع الوقت، تتحول هذه الضغوط إلى إحباط وشعور بالعجز.

كما انتقد الدكتور المهدي ما وصفه بـ”التربية الرخوة”، مشيرًا إلى أنها باتت ظاهرة متزايدة في بعض البيوت. ووفقًا لرؤيته، تتمثل التربية الرخوة في توفير الراحة للطفل دون تكليفه بأي مسؤوليات، بما يخلق شخصية اعتمادية لا تتعلم كيفية التعامل مع تحديات الحياة. وأورد مثالًا بسلوك تقديم الطعام للطفل وهو في الفراش بدلًا من تعويده على الاستقلال، في المقابل تزداد ساعات استخدام الهاتف أو التصفح على الإنترنت. وأكد أن هذا النمط يرسخ عقلية الاعتماد على المتعة الفورية، ويقلل من فرص اكتساب مهارات الصبر والانضباط والمثابرة.

ولفت إلى أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية ومواقع التواصل يمنح الطفل “دفعات دوبامين سريعة”، ما يجعل المتعة الناتجة عن التصفح المستمر تتحول إلى نمط اعتاد عليه الدماغ. وأوضح أن هذا يؤثر مباشرة على القدرة على التركيز في المهام التي تتطلب جهدًا وصبرًا مثل الدراسة، أو القراءة، أو تعلم مهارات جديدة. وعندما يتعود الطفل على الإشباع السريع يصبح أكثر ميلًا للهروب من أي مهمة تحتاج وقتًا، حتى لو كانت مهمة لبناء مستقبله.

وتابع أن التدليل المفرط لا يقتصر أثره على الاعتمادية فقط، بل قد يكوّن عند الطفل قناعة غير واقعية بأنه يستحق كل شيء دون مقابل، وأن الآخرين ملزمون بتلبية احتياجاته كما كانت تفعل أسرته. وعندما يكبر الطفل ويدخل الجامعة أو سوق العمل أو الحياة الزوجية، يصطدم بالواقع، وحين لا يجد نفس المعاملة التي اعتادها قد يشعر بالظلم والإحباط، ويبدأ بإلقاء مسؤولية فشله على الآخرين أو على الظروف بدل مراجعة نفسه وتطوير قدراته.

واختتم الدكتور محمد المهدي بتأكيد أن التربية الناجحة لا تقوم على العقاب المستمر ولا على التدليل الزائد، بل على **التوازن بين الحب والحزم**. وتشمل الممارسات الأفضل: تعليم الطفل تحمل المسؤولية منذ الصغر، منح مساحة لاتخاذ قرارات مناسبة لعمره، وتحمل نتائج اختياراته ضمن حدود آمنة، إلى جانب احتوائه عند الفشل وتشجيعه على المحاولة بدل تعميق الأزمة النفسية. كما شدد على ضرورة غرس قيم المثابرة والانضباط، وتحديد أهداف واقعية تدريجية، لأن استمرار الأخطاء التربوية الحالية قد يؤدي في المستقبل إلى زيادة المشكلات النفسية والاجتماعية بين الشباب.

ولتعزيز هذه الأهداف عمليًا، يمكن للأسرة تطبيق مبادئ مثل: تقليل أسلوب المقارنة واستبداله بالمقارنة بالتحسن الشخصي (“مستواك الآن أفضل من أمس” بدل “فلان أفضل منك”)، استخدام لغة داعمة عند الخطأ (“لننجح بخطة مختلفة” بدل “أنت فاشل”)، ووضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية، مع استبدال وقت الشاشة بأنشطة بنّاءة تساعد على تطوير الصبر مثل الرياضة، القراءة القصيرة، المهام المنزلية البسيطة، أو هوايات تتطلب التدرج. بهذه الطريقة، يتحول الفشل إلى فرصة تعلم، ويتحول البيت إلى بيئة تعزز الثقة وتدعم القدرة على مواجهة تحديات الحياة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *