أكد الدكتور عمرو سليمان، أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان، أن الدولة المصرية تعمل وفق رؤية استراتيجية واضحة تم وضع لبناتها منذ أكثر من 13 عاماً، ضمن مقاربة علمية تعتمد التخطيط التدريجي وتوزيع الأولويات على المدى القصير والمتوسط والطويل. وأشار خلال حديثه مع الإعلامية عزة مصطفى في برنامج “الساعة 6” عبر قناة “الحياة” إلى أن هذه الرؤية لا تقتصر على إعادة ترتيب الأدوار الإقليمية، بل تستهدف إعادة مصر لمكانتها الطبيعية كقوة اقتصادية وسياسية مؤثرة، على نحو لا يخدم المصالح الحكومية فحسب، بل ينعكس مباشرة على مصالح المواطن المصري عبر تقوية الاقتصاد المحلي ورفع قدرته على امتصاص الصدمات والتحديات العالمية.
وأوضح الدكتور سليمان أن التحول الحالي في مقاربة مصر يرتكز على الانتقال من حضور قائم على التأثير السياسي إلى حضور يقوم على الشراكة الاقتصادية المبنية على المصالح المشتركة. وفي هذا السياق، أشار إلى أن عودة مصر لعمقها الأفريقي، وبخاصة عبر التعاون مع تنزانيا، تمثل خطوة نوعية تعكس جدية التحول من “الثقل السياسي” التاريخي في الستينيات إلى “الثقل الاقتصادي” الذي يحقق نتائج ملموسة في مجالات التجارة والاستثمار ونقل الخبرات والفرص التنموية.
وأكد أن مصر، التي قادت أفريقيا تاريخياً نحو التحرر من الاستعمار، تسعى اليوم للانخراط بفاعلية في مسار تقليل الفجوة التنموية ودعم التكامل الاقتصادي، بما يفتح أبواباً أمام مشروعات إنتاجية وخدمية تساهم في تقوية الاقتصادات المحلية. ولفت إلى أن منهج “المكاسب المشتركة للجميع” الذي ورد في كلمة الرئيس السيسي خلال زيارته إلى تنزانيا يمثل إطاراً عملياً للتعاون يقوم على فكرة التبادل والمنفعة المتبادلة بدل من المساعدات المحدودة أو العلاقات الشكلية.
وتناول الدكتور سليمان بعداً مهماً آخر يفسر نجاح التوجهات الاقتصادية، وهو بناء البنية التحتية باعتبارها العمود الفقري لأي نمو قابل للقياس. وأكد أن مشروعات الطرق والموانئ التي نفذتها مصر خلال السنوات الماضية لم تكن مجرد بنية شكلية، بل تُعد الأساس الذي ترتكز عليه خطط زيادة الصادرات وتحسين القدرة التنافسية. فتحسين شبكات النقل يقلل زمن الرحلات وتكاليف التشغيل ويزيد انتظام سلاسل الإمداد، كما يسهم تطوير الموانئ في رفع كفاءة مناولة الشحنات وتقليل المخاطر المرتبطة بالتأخير.
كما أشار إلى أن دعم البنية التحتية يخلق بيئة أكثر جذباً للاستثمارات، سواء من خلال تسهيل وصول المواد الخام إلى المصانع، أو عبر تمكين التصدير لأسواق جديدة داخل أفريقيا وخارجها. وبذلك تتحول الموانئ والطرق إلى أدوات اقتصادية فعالة تساعد الشركات المحلية على توسيع نشاطها ورفع حجم الإنتاج، وتمنح أيضاً فرصاً للشركاء الأجانب للعمل في مشروعات مشتركة.
ولتعزيز هذا التوجه، شدد الدكتور سليمان على أهمية الاستفادة من العلاقات الأفريقية والأوروبية بوصفها مسارات متكاملة وليست متفرقة: فتعزيز التعاون داخل أفريقيا يسهم في توسيع قاعدة التبادل التجاري والطلب على المنتجات المصرية، بينما يفتح الانفتاح على أوروبا آفاقاً للشراكات الاستثمارية والتكنولوجيا والخبرات. وفي المحصلة، يؤكد أن الهدف النهائي هو صمود الاقتصاد المصري أمام تقلبات الأسواق العالمية، عبر تنويع مصادر النمو وتحسين الإنتاجية وتعظيم القيمة المضافة.
وأضاف أن المنطق الاقتصادي الذي يقود هذه الرؤية يعتمد على بناء قدرات فعلية: من نقل البضائع بكفاءة، إلى خلق فرص تشغيل، إلى توسيع نطاق التصدير. وهو ما يجعل التعاون مع أفريقيا وأوروبا جزءاً من استراتيجية شاملة لإعادة تشكيل المكانة الاقتصادية لمصر بطريقة تخدم التنمية المستدامة وتدعم حقوق المواطن من خلال نتائج اقتصادية مباشرة وقابلة للقياس.

التعليقات