أكدت الدكتورة أريج جبر، أستاذة العلوم السياسية، أن مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد قائمة عمليًا، موضحة أن صياغتها اتسمت بالغموض ومنحت الطرفين مساحة لتأويل البنود وفقًا لمصالحه، ما سهّل لاحقًا التنصل منها والانقلاب عليها مع بدء مرحلة التنفيذ. وأشارت إلى أن جوهر المشكلة ليس في وجود وثيقة مكتوبة فحسب، بل في غياب عناصر تجعلها قابلة للتطبيق بشكل ملزم، مثل آليات فض النزاعات، وجدول زمني واضح، وضمانات تَحول دون التعسف في تفسير الالتزامات.
وخلال مداخلة عبر تطبيق «زووم» على قناة إكسترا نيوز، أوضحت جبر أن المذكرة لم تتضمن أدوات عملية لمعالجة القضايا الخلافية أو آليات مراقبة ومحاسبة تضمن الالتزام المتبادل، وهو ما انعكس على مسار التنفيذ. وفي هذا السياق، رأت أن ما يجري حاليًا يعكس نوعًا من الاستعراض العسكري والسياسي المتبادل، يجري على حساب أمن المنطقة واستقرارها، بينما يسعى كل طرف إلى تعزيز نفوذه وتحسين موقعه الاستراتيجي.
وأضافت أن التصعيد الحالي يمثل مرحلة متقدمة من تدهور العلاقات، ويمكن النظر إليه كوصل إلى «كسر العظم»، إذ ترى الولايات المتحدة أن الحفاظ على نفوذها في المنطقة يمثل أولوية، في حين تعتبر إيران أن استمرار مشروعها الإقليمي مسألة تتصل بالأمن الوجودي. وبناءً على ذلك، ترتفع وتيرة المواجهات والتهديدات المتبادلة، وتتحول المسارات الدبلوماسية إلى مساحة ضغط سياسي متبادل.
وحول أسباب انهيار مذكرة التفاهم، أكدت جبر أن الأزمة ترجع بالأساس إلى انعدام الثقة بين الطرفين، وإلى اختلاف الرؤى والأيديولوجيات، فضلًا عن غياب الحوافز المشتركة التي يمكن أن تُنتج تفاهمات أكثر استدامة. كما رأت أن واشنطن لجأت إلى الالتفاف على عدد من بنود المذكرة عبر فرض عقوبات جديدة، واتخاذ إجراءات سياسية واقتصادية اعتبرتها طهران مخالفة للتفاهمات، وهو ما دفع الجانب الإيراني إلى التشكيك في جدوى الاتفاق والاستمرار في التزاماته.
ولفتت إلى أن الحرب بين الجانبين لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد كذلك إلى الحرب الإعلامية والسرديات المتبادلة، حيث يعمل كل طرف على تقديم نفسه باعتباره الطرف المنتصر أو الأكثر عقلانية، في محاولة لإزاحة المسؤولية عن انهيار التفاهمات. وفي موازاة ذلك، تزداد صعوبة العودة السريعة إلى مسار تفاوضي، لأن التصعيد الإعلامي والسياسي يخلق كلفة سياسية داخلية لأي تنازل.
وبخصوص التصريحات الأمريكية المتعلقة باستهداف البنية التحتية الإيرانية، أوضحت أن واشنطن تواصل رفع سقف الضغوط العسكرية والسياسية، لكنها—بحسب تقديرها—لا تزال تتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وأضافت أن طبيعة التصعيد الحالية قد تهدف إلى تحسين شروط التفاوض بدل أن تكون تمهيدًا مباشرًا لحرب واسعة. ومن ثم، فإن الرسائل المتبادلة تُوظَّف كأداة ضغط تفاوضية أكثر منها خطوة نهائية محسومة.
وتوقعت جبر أن تشهد المرحلة المقبلة عودة إلى طاولة المفاوضات بعد انتهاء موجة التصعيد الحالية، غير أن أي حوار مرتقب—وفق تصورها—سيكون محاطًا بضغوط عسكرية وسياسية كبيرة، ولن يُعد تسوية نهائية للأزمة. ورجّحت أن يكون أقرب إلى هدنة مؤقتة تفرضها الضرورات الميدانية، بينما تستمر الخلافات الجوهرية على مستوى المصالح الإقليمية وطبيعة الترتيبات المستقبلية بين الطرفين.
وتشير مجريات الأحداث إلى أن أي محاولة لاحقة للتفاهم ستكون أكثر هشاشة ما لم تتضمن الوثيقة الجديدة عناصر عملية: آليات واضحة لفض النزاعات، جدولًا زمنيًا قابلًا للتنفيذ، وضمانات ملزمة، إضافة إلى ترتيبات مراقبة وشفافية تحد من احتمالات التأويل الأحادي. كما سيظل عامل الثقة—أو غيابه—هو المحدد الأبرز لقدرة الاتفاقات على الصمود في وجه الأزمات المتصاعدة.

التعليقات