علق المفكر السياسي الدكتور مصطفى الفقي على لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الوزراء العراقي في واشنطن، مشيرًا إلى أن العراق ما يزال ضمن إحدى الساحات المرتبطة بنفوذ إيران، بما يجعل إدارة بغداد لعلاقاتها الخارجية أكثر تعقيدًا وحساسية من أي وقت مضى. ولفت الفقي إلى أن طبيعة المشهد الإقليمي لا تسمح بالارتجال، وأن القرارات العراقية تتطلب قراءة دقيقة للتوازنات الداخلية والإقليمية، لا سيما في ظل تشابك الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
وأوضح الفقي أن الجوار الجغرافي بين العراق وإيران، إضافة إلى التقارب المذهبي بين فئات واسعة في المجتمع العراقي، يفرضان واقعًا سياسيًا معقدًا على الحكومة العراقية. فالتأثيرات تمتد إلى دوائر متعددة مثل تشكيل التحالفات، إدارة الملفات الحدودية، وتقدير مواقف القوى السياسية الفاعلة داخل العراق. لذلك يرى الفقي أن التعامل مع طهران لا ينفصل عن حسابات بغداد تجاه واشنطن، وأن نجاح السياسة الخارجية العراقية يرتبط بقدرتها على تحقيق موازنة فعّالة بين التزاماتها الإقليمية ومتطلبات الأمن الداخلي.
وبحسب الفقي، فإن اللافت في اللقاء هو أسلوب ترامب في التعامل مع رئيس الوزراء العراقي، إذ وصفه بأنه احترام غير معتاد. واعتبر أن هذا الإطار الدبلوماسي قد يحمل دلالات إيجابية بشأن مسار العلاقة الأمريكية-العراقية خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا في الملفات التي تتطلب تعاونًا طويل الأمد مثل محاربة الإرهاب، ضبط الحدود، ودعم الاستقرار الاقتصادي عبر مسارات متعددة.
في المقابل، انتقد المفكر السياسي طريقة اتخاذ القرار داخل البيت الأبيض، مشيرًا إلى أنه لاحظ خلال الفترة الأخيرة تغيّرًا متكررًا في مواقف ترامب تبعًا لما يعرضه عليه مستشاروه. ورأى أن هذا النمط يمثل عامل قلق، لأن استقرار الموقف الأمريكي ينعكس مباشرة على قدرة الشركاء على التخطيط، وعلى حجم المخاطر التي قد تواجهها دول المنطقة عند تغيّر الرسائل السياسية أو أولويات الإدارة.
وأضاف الفقي أن استقرار سياسات الدول الكبرى عنصر محوري للحفاظ على التوازنات الدولية، وأن تقلب القرارات بشكل متكرر قد يفتح الباب أمام ارتدادات إقليمية، سواء عبر زيادة حالة عدم اليقين لدى الحكومات، أو عبر تشجيع القوى المؤثرة على استغلال التباينات في المواقف. وأكد أن التحدي الحقيقي أمام بغداد ليس فقط في استقبال الرسائل الدبلوماسية، بل في تحويلها إلى سياسات عملية واضحة، تراعي مصالح العراق، وتوازن علاقاته مع الأطراف الإقليمية والدولية.
وفي ختام حديثه، شدد الفقي على أن العراق بحاجة إلى سياسة خارجية قائمة على الثبات والمرونة في آن واحد: الثبات في حماية المصالح الوطنية وعدم السماح بأن تُدار القرارات وفق انطباعات مؤقتة، والمرونة في قراءة المتغيرات وتحديث الخيارات وفقًا للمستجدات الأمنية والسياسية. كما حذر من أن أي اهتزاز في الإشارات التي تصدر من العواصم الكبرى قد ينعكس على المشهدين الإقليمي والدولي، ويؤثر في فرص الاستقرار التي يسعى العراق إلى تثبيتها خلال السنوات المقبلة.

التعليقات