أكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، أن المشهد السياسي الراهن يعاني من تضارب واضح في الرسائل والتصريحات، سواء على مستوى الملفات المرتبطة بالتحركات العسكرية أو بالملفات السياسية والديبلوماسية الأوسع. ويرى فهمي أن هذا التضارب لا ينعكس فقط على مسار التفاوض، بل يساهم أيضًا في خلق حالة من عدم اليقين لدى الأطراف المعنية، ما يؤدي إلى إطالة أمد الأزمات وتأخير الوصول إلى تفاهمات قابلة للتطبيق.
وفي هذا السياق، شدد فهمي على أن الإدارة الأمريكية ما زالت تتعامل وفق مقاربة «الرد على الرد»، وهي استراتيجية تقوم على الرد المتدرج على ما تعتبره استفزازات أو تحركات من الطرف الآخر، بدلًا من تقديم خطوات أولية لبناء الثقة أو إطلاق مسار تفاوضي فعّال من البداية. وأشار إلى أن استمرار هذا النهج يجعل أي جهود لتخفيف التوتر أكثر تعقيدًا، لأن كل خطوة قد تفسَّر على أنها تمهيد لخطوة مضادة، ما يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها.
كما أوضح أن غياب اتفاق ملموس على أرض الواقع يشكّل العائق الأساسي أمام تقدم الملف. فبينما تستمر التحركات والاتصالات، لا تزال النتائج الفعلية محدودة، ما يدفع بعض الأطراف إلى محاولة كسب الوقت بدلًا من تقديم تنازلات أو التزامات واضحة. وأكد فهمي أن هذه المقاربة الزمنية قد تمنح بعض الجهات هامشًا سياسيًا، لكنها في المقابل تزيد من صعوبة الوصول إلى تفاهمات شاملة، خصوصًا عندما تتداخل المصالح الإقليمية والدولية وتتحول الأولويات من التهدئة إلى المناورة.
وفيما يتعلق بدور الوسطاء، ذكر فهمي أن الأطراف التي انخرطت في مساعي تقريب وجهات النظر خلال الفترة الماضية باتت تواجه حالة من الإرهاق نتيجة استنفاد جزء كبير من المبادرات المتاحة. وبيّن أن العديد من أدوات الوساطة والخيارات المطروحة تم تداولها سابقًا دون أن تقود إلى نتائج حاسمة، ما يجعل المسافة بين الأطراف أقصر في الخطاب وأوسع في التنفيذ. ووفق هذا التصور، فإن تكرار مسار الوساطة دون تغيير جوهري في مضمون المقترحات قد يحد من فرص نجاح أي تسوية مستقبلية.
وأضاف فهمي أن إحياء مسار التهدئة لا يزال حاضرًا على مستوى التحركات، لكن التحدي يتمثل في تحويل التفاهمات العامة إلى آليات واضحة قابلة للقياس، مثل ترتيبات وقف التصعيد، وتحديد مسارات المراقبة، وربط الخطوات المتبادلة بمؤشرات زمنية. كما أشار إلى أهمية معالجة فجوة الثقة، من خلال ضمان الحد الأدنى من الاستقرار عبر خطوات متزامنة ومدروسة بدلًا من التعامل المتسلسل الذي تسيطر عليه منطقية «الرد على الرد».
وفي المحصلة، يرى الدكتور طارق فهمي أن أي تقدم حقيقي يتطلب تحولًا في أسلوب الإدارة الأمريكية من منطق التصعيد المتبادل إلى منطق بناء الثقة، مع تقليص مساحة التناقض بين التصريحات والمواقف، وتقديم مقترحات أكثر تحديدًا من حيث التزامات الأطراف وآليات تطبيقها. وفي الوقت نفسه، يلزم للوسطاء الاستفادة من الدروس السابقة عبر طرح خيارات جديدة أو إعادة صياغة المبادرات بما يضمن جدية التفاوض ويحد من تآكل المصداقية، حتى لا تبقى جهود التهدئة ضمن إطار الاتصالات دون نتائج ملموسة.

التعليقات