يرى الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، أن منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة شديدة التعقيد تتجاوز حدود الارتباك السياسي المعتاد، لتصل إلى ما يشبه أزمة هيكلية تمس طبيعة النظام الإقليمي ككل، وتنعكس في طريقة إدارة القوى الفاعلة لملفاتها المختلفة، سواء على المستوى العسكري أو الدبلوماسي أو الاقتصادي.
وأوضح فهمي أن ما تشهده المنطقة لا يمكن اختزاله في مجرد تصعيد أو تهدئة متقطعة، بل هو تحوّل في شكل التفاعلات بين الأطراف، بما يعني أن الأزمات باتت متشابكة مع بعضها، وأن استراتيجيات الدول تُبنى أحيانًا على إدارة المخاطر أكثر من السعي لحسم جذري للصراعات.
تفريغ سياسي في العلاقات الأمريكية-الإيرانية
وخلال حديثه خلال لقائه مع الإعلامي أسامة كمال في برنامج “مساء DMC”، أكد فهمي أن العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران تعيش حالة من الفراغ السياسي، على الرغم من استمرار التحركات العسكرية على الأرض، بالتوازي مع وجود قنوات أو مسارات تفاوضية بين الطرفين.
وأشار إلى أن هذا التناقض بين استمرار الإجراءات الميدانية وبين غياب إطار سياسي واضح يعكس عدم وجود رؤية مشتركة لدى الأطراف حول الشكل النهائي للتسوية، أو طبيعة الترتيبات التي يمكن أن تُنهي حالة التوتر بصورة مستقرة.
كما لفت إلى أن الفراغ السياسي لا يعني بالضرورة توقف التفاعل، لكنه يعني أن كل طرف يتحرك وفق حسابات آنية: ضغط هنا، مناورة هناك، وإبقاء الباب مواربًا دون الالتزام بخطوة حاسمة.
التعايش مع الأزمات بدلًا من حلها
وأضاف الدكتور طارق فهمي أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تقوم على التعايش مع الأزمات المتلاحقة، في ظل تشابك الملفات الإقليمية، وتضارب المصالح والأهداف بين اللاعبين الرئيسيين.
ومع تزايد تعقيد المشهد، تصبح الخيارات المتاحة أمام الأطراف أكثر محدودية: فالحسم المباشر قد يكون مكلفًا، في حين أن استمرار الوضع القائم قد يظل أقل تكلفة لكنه يُنتج مزيدًا من الاستنزاف وتوسع دائرة عدم اليقين.
ومن زاوية سياسية، يمكن تفسير ذلك بأن الإقليم بات ساحة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن القومي، والموازين الاقتصادية، وحسابات الردع، إضافة إلى تأثير التحالفات المحلية والإقليمية.
إنهاك دون شرط الحرب الشاملة
وبخصوص احتمال اندلاع مواجهة واسعة، أوضح فهمي أن واشنطن وطهران وصلتا إلى مرحلة من الإنهاك العسكري بعد فترة طويلة من التصعيد، إلا أنه شدد على أن هذا لا يعني تلقائيًا اقتراب حرب شاملة.
وأكد أن التطورات الحالية ما تزال تسير بشكل تدريجي ومحسوب، وهو ما يرجّح أن الأطراف تميل إلى إدارة التصعيد بدلًا من تفجيره، مع مراعاة كلفة المواجهة على المصالح والاقتصادات وسلاسل الإمداد والالتزامات الدولية.
وفي هذا السياق، قد تتخذ المواجهة شكل ضغط متبادل على مراحل، أو رسائل ردع محسوبة، أو محاولات لإعادة ترتيب الأولويات عبر قنوات غير مباشرة، بما يحافظ على هامش المناورة لدى الجميع.
ماذا يعني ذلك للمشهد الإقليمي؟
يرى فهمي أن المرحلة الحالية تُنتج بيئة سياسية لا تمنح الأطراف فرصة لتثبيت قواعد جديدة بسرعة، لكنها تساعد في استمرار حالة عدم الاستقرار تحت سقف إدارة الصراع.
وبالتالي، فإن أي تغيير فعلي في المسار يتطلب—وفق هذا المنطق—تحولًا سياسيًا واضحًا ينعكس على التفاوض، ويخلق بدائل عن منطق الاستنزاف، ويقدم إطارًا يطمئن القوى الفاعلة بدلًا من ترك المشهد رهينة ردود الفعل.
وفي انتظار ذلك، يظل الاحتمال الأرجح هو استمرار التوتر المحكوم بالتحركات التدريجية، مع بقاء الحوار، وإن كان غير مكتمل، كخيار يُستخدم لإدارة المخاطر أكثر من كونه بوابة لحل نهائي.

التعليقات