أكد الدكتور عمرو الطيبي، مدير عام منطقة آثار سقارة ورئيس البعثة الأثرية المصرية العاملة بجبانة البوباسطيون، أن الكشف عن مقبرة «سخنتيو بتاح» يمثل إضافة جديدة ومهمة إلى سجل تاريخ مصر القديمة، خاصةً لكونه من كبار رجال الدولة خلال عصر الدولة القديمة المعاصر لمرحلة بناة الأهرام. وأوضح أن قيمة هذه الشخصية لا تقتصر على مكانتها فحسب، بل تتجسد كذلك في الألقاب الوظيفية الدقيقة التي عُثر عليها ضمن عناصر المقبرة.
وأشار الطيبي، خلال حديثه في برنامج «هذا الصباح» المذاع عبر قناة «إكسترا نيوز»، إلى أن «سخنتيو بتاح» حمل ألقابًا بارزة تعكس دوره داخل الإدارة الملكية، حيث كان مشرفًا على الوثائق الملكية، وقائمًا على أسرار الأوامر الملكية، بما يعني ارتباطه المباشر بشؤون الحكم وتوثيق التعليمات الرسمية. كما أكد أنه كان كاهنًا للمعبودة «معت»، رمز الحق والعدالة في المعتقدات المصرية القديمة، إلى جانب إشرافه على الكتبة، وهي وظيفة ذات مكانة عالية ترتبط بتنظيم العمل الإداري والكتابي في مؤسسات الدولة.
ولفت إلى أن نظام الألقاب في مصر القديمة كان يعبّر عن طبقة أصحاب المقابر وعن مدى قربهم من دوائر السلطة، وأن وظيفة الكاتب تعد من الوظائف المرموقة التي لا تتاح لجميع أفراد المجتمع، ما يعزز فهمنا لطبيعة المجتمع الهرمي في عصر الدولة القديمة وتراتبيته.
وبيّن أن الكشف الأثري الجديد يأتي كالإعلان الثاني خلال الفترة الحالية في جبانة البوباسطيون، بعد الاكتشاف الأول الذي تم فيه العثور على 3 مقابر تعود إلى عصر الدولة الحديثة في منطقة شرق البوباسطيون. أما الاكتشاف الحالي فتم داخل منطقة غرب البوباسطيون، بما يوضح أن الجبانة ما تزال تخفي قدرًا كبيرًا من الأسرار التاريخية والعناصر الدالة على تطور الدفن في سقارة عبر العصور.
وأضاف أن البعثة تمكنت من العثور على «الباب الوهمي» في موضعه الأصلي، وهو العنصر الذي يرتبط في المعتقد المصري القديم بفكرة انتقال الروح والاتصال بالعالم الآخر. ويضم الباب الوهمي ألقاب صاحب المقبرة، وقد تم تأكيد وجود جميع ألقاب «سخنتيو بتاح» أيضًا على مائدة القرابين، التي عثر أمامها على مائدة قرابين مصنوعة من حجر الألبستر. وتشير هذه التفاصيل إلى اكتمال عناصر الطقوس الجنائزية المرتبطة بالمقبرة، وإلى عناية دقيقة بتنفيذ شعائر الدفن.
وتابع الطيبي أن أعمال الحفر كشفت قرب الجزء الخاص بالمقبرة وحوله عن مجموعة من آبار الدفن المهمة المنتمية إلى الفترة نفسها، إلى جانب لقى أثرية متنوعة. ومن أبرز هذه اللقى تم العثور على مجموعة من تماثيل الأوشبتي المصنوعة من الفاينس، وهي تماثيل كانت تُوضع ضمن التجهيزات الجنائزية لتقوم بأعمال الراحة عن المتوفى في العالم الآخر. كما تم العثور على قرابة 3 توابيت حجرية مغلقة لم تُفتح بعد، ما يعني أن محتوياتها ما تزال مرشحة لأن تقدم معلومات إضافية عند بدء عمليات التعامل والدراسة في المراحل المقبلة.
كما كشفت البعثة عن أوانٍ أثرية من الفخار وتماثيل أوشبتي إضافية، بما يرسخ أن المقبرة تضمنت مجموعة متكاملة من مستلزمات الدفن، وأن اكتشافها يوسع لدينا الصورة عن البنية الجنائزية لدى شخصيات الدولة في عصر بناة الأهرام.
وبذلك، لا يقتصر هذا الكشف على توثيق اسم شخصية من كبار رجال الدولة، بل يفتح بابًا لفهم أعمق للألقاب الإدارية والدينية في العصر القديم، وكيف انعكست مكانة «سخنتيو بتاح» في عناصر المقبرة، وما تحمله اللقى المرتبطة بالقرابين والآبار والتماثيل من دلالات على الممارسات الجنائزية والمعيشة الدينية في سقارة.

التعليقات