التخطي إلى المحتوى

يرى الناقد الفني جمال عبد القادر أن سر استمرار تأثير شخصيات الأديب العالمي نجيب محفوظ يكمن في طبيعتها «الحيّة» المستمدة من واقع المجتمع، حيث لا تُقدَّم الشخصيات بوصفها نماذج جامدة، بل ككيانات إنسانية تحمل أزمات وتناقضات نفسية وأخلاقية قد تتكرر بصورة أو بأخرى في أي زمن. فكل شخصية عند محفوظ تبدو وكأنها تمتلك تاريخًا داخليًا متراكمًا، وتتحرك ضمن شبكة من الدوافع والصراعات التي تجعل القارئ أو المشاهد يشعر بأن العالم الروائي ليس بعيدًا عنه.

ويضيف عبد القادر أن محفوظ كان يلحّ على اختلاف أدوات التعبير بين الرواية والعمل الفني على الشاشة؛ فالرواية تمتلك مساحة زمنية وسردية أوسع لعرض التفاصيل الداخلية، بينما يفرض الفيلم قيودًا فنية وإيقاعًا بصريًا يلزم صانع العمل بإعادة ترتيب العناصر الدرامية بما يخدم الصورة واللغة السينمائية. لذلك، فإن نقل الرواية إلى فيلم لا يعني بالضرورة تطابقًا حرفيًا مع النص الأصلي، بل يعني بالأساس مسؤولية فنية تقع على عاتق المُحوِّل السينمائي، قد تقود إلى اختلاف في المعالجة وتغيير في الزاوية أو التركيز.

ومن هنا يوضح الناقد أن نتائج الاقتباس تختلف بحسب الرؤية: فبعض الأفلام المأخوذة عن أعمال نجيب محفوظ نجحت في الحفاظ على روح النص وقدّمت شخصياته كما هي، مع مراعاة عمقها النفسي وإيقاعها الدرامي. وفي المقابل، قد تنحرف بعض المعالجات نحو أطر أكثر تجارية أو نحو تبسيط الفكرة، ما ينعكس على حضور البعد الفلسفي الذي يميز الروايات. ويستشهد عبد القادر بفيلم «الشحات» بوصفه مثالًا على توجّه المعالجة السينمائية إلى إطار تجاري أكثر، مقارنة بالعمق الفلسفي الذي تحمله الرواية.

كما يؤكد الناقد أن قوة شخصيات محفوظ ليست محصورة بزمن محدد أو ببيئة بعينها؛ إذ إن أزماتها إنسانية وعامة، يمكن نقلها إلى سياقات درامية مختلفة دون أن تفقد تأثيرها. فالشخصية عند محفوظ تظهر متكاملة من الداخل والخارج: تمتلك رغباتها وتخضع لضغوطها، وتظهر تناقضاتها في قراراتها وسلوكها، وتبدو أحيانًا وكأنها سجينة لحالتها النفسية أو لظروف المجتمع. هذا البناء النفسي العميق يجعل الشخصية قابلة لإعادة التقديم بأشكال متعددة—رواية أو فيلمًا أو عملًا بصريًا آخر—مع بقاء جوهرها حاضرًا.

ولزيادة الأثر لدى الجمهور، لا تعتمد شخصيات محفوظ على الحدث وحده، بل على «الانفعالات» التي تقود الحدث: كيف يفكر الشخص؟ وكيف يبرر أفعاله؟ وكيف ينهار أمام التناقض بين ما يريد وما تسمح به الظروف؟ إن هذا النوع من الكتابة—الذي يمزج بين الواقع واللغة الداخلية للشخصية—يمنح الأعمال امتدادًا زمنيًا، ويجعل الجمهور يتعرّف على نفسه داخل الشخصيات حتى لو اختلفت الحقبة أو تغيرت تفاصيل الحياة اليومية.

وفي النهاية، يظل حضور شخصيات نجيب محفوظ في كل زمن نتاجًا لتوازن نادر بين تصوير المجتمع وفضح دوافع الإنسان، وبين عمق التحليل النفسي وقابلية التلقي. لذلك، حتى حين يختلف الفيلم عن الرواية، تبقى الشخصية قادرة على التواصل مع الجمهور لأنها تعكس الإنسان بتعقيده: إنسانًا يتحرك بين الضعف والقوة، بين الطموح والهزيمة، وبين العقل والاندفاع—وكلها أزمات قابلة للعودة في أي زمان.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *