التخطي إلى المحتوى

تجدد الجدل بين دول حوض النيل بعد تصريحات إثيوبية حول اعتزام أديس أبابا إنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، مع طرح مناقصات لتنفيذها. وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الخلافات القائمة بين مصر والسودان وإثيوبيا حول إدارة مياه النيل وسد النهضة، وما يترتب على ذلك من آثار على التدفق والأنشطة الملاحية والزراعة والأمن المائي.

يرى الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، أن ما يجري قد يندرج ضمن انتهاك لقواعد القانون الدولي المنظمة للمجاري المائية العابرة للحدود، لا سيما إذا تم تنفيذ مشروعات مائية جديدة دون ترتيبات ملزمة تضمن عدم الإضرار بدول المصب. ويشير إلى أن التحركات من هذا النوع ينبغي أن تمر عبر أطر تفاوضية واختبار أثر واضحة، بما يضمن حماية مصالح الدول الأخرى ضمن الحوض.

## لماذا تُعد الخطوة إشكالية قانونيًا؟
وفقًا لمهران، فإن بناء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، إلى جانب ما سبق من أعمال متعلقة بسد النهضة، قد يعيد طرح سؤال “التأثير المشترك” ومدى التزام الدولة المنفذة بقواعد الإخطار المسبق والتنسيق وتقييم الآثار العابرة للحدود. ويؤكد أن القواعد القانونية العامة في هذا المجال تركز على منع الإضرار، وتبادل المعلومات، والبحث عن حلول تفاوضية قبل اللجوء إلى مسارات أكثر إلزامًا.

ويعتبر أن إثيوبيا استفادت من ظروف سياسية وأزمات داخلية شهدتها بعض دول المنطقة في مراحل سابقة، وهو ما أسهم—بحسب رأيه—في الدفع نحو اتخاذ خطوات أحادية في ملف سد النهضة والملء والتشغيل. ويشدد على أن المرحلة الحالية لا ينبغي أن تُدار بالمنطق نفسه، لأن استمرار تعدد المنشآت المائية دون قواعد تشغيل متفق عليها قد يفاقم المخاطر.

## التشغيل المنفرد وتأثيره على تدفق المياه
من النقاط التي يركز عليها الدكتور مهران أن التشغيل الأحادي للسد المرتبط بسد النهضة—كما جرى في السابق—أثر على تدفق المياه، ما دفع مصر إلى تبني إجراءات احترازية للحد من الآثار المحتملة. وتشمل هذه الإجراءات توسيع استخدامات معالجة مياه الصرف، وتحلية المياه، إضافة إلى خطط إدارة الموارد خلال فترات الجفاف.

كما يلفت إلى أن السودان تعرض بدوره لمشكلات مرتبطة بعدم وجود تنسيق كافٍ حول إدارة فترات الفيضان والجفاف، وهو أمر يرتبط مباشرة بحجم المياه المتاحة للتخطيط الزراعي وإدارة البنية التحتية.

## اتفاق المبادئ: قواعد عامة أم التزام ملزم؟
يشير مهران إلى أن اتفاق المبادئ—بحد ذاته—يتضمن مبادئ عامة مثل “عدم الإضرار” و”الإخطار المسبق”، لكنه يعترض على الطريقة التي تُدار بها آليات التفاوض، إذ يرى أن التمسك بآليات ودية فقط قد يقلص فرص اللجوء إلى أدوات قانونية دولية أكثر إلزامًا.

وفي هذا السياق، يطرح أستاذ القانون الدولي أن أي خلاف حول آثار منشآت مائية كبيرة يحتاج إلى آليات واضحة لتسوية النزاعات، مثل التحكيم أو اللجوء لجهات قضائية دولية، بما يضمن تفسيرًا موحدًا للقواعد والالتزامات بدلًا من إبقاء المسألة في إطار تفاوض مفتوح.

## سياق إقليمي أشمل: البحر الأحمر والقرن الأفريقي
لا يقتصر النقاش على ملف النيل وحده، إذ يربط مهران بين تحركات إثيوبيا في ما يتعلق ببناء سدود جديدة وبين تطورات جيوسياسية أوسع في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ويرى أن قراءة الملف ينبغي أن تراعي ارتباطات المشهد الإقليمي، من حيث التحالفات والاعتبارات الأمنية والاقتصادية، وما قد ينعكس على مواقف الأطراف من التفاوض وإدارة الأزمات.

## مصر: عدم السماح بتكرار “فرض الأمر الواقع”
أكد مهران أن المعطيات الحالية تختلف عن الفترة التي بدأت فيها خطوات إنشاء سد النهضة، وأن مصر لن تسمح—بحسب تعبيره—بتكرار سيناريو فرض الأمر الواقع أو المساس بأمنها المائي. ويؤكد أن الدولة المصرية تتعامل مع الملف من خلال مسارات وإجراءات “حازمة” تهدف إلى حماية الموارد المائية والمصالح الحيوية.

## ما الذي يعنيه بناء 3 سدود جديدة عمليًا؟
على المستوى العملي، فإن إضافة سدود جديدة قد يغير أنماط التخزين والتحرير من المياه، ويؤثر—بشكل مباشر أو غير مباشر—على:
– توافر المياه خلال مواسم الجفاف والفيضان.
– مستويات المياه في مناطق الري المزارعي والبنية التحتية المرتبطة بالمياه.
– احتمالات تأثيرات بيئية مرتبطة بتغير التدفق والنظم المائية.
– احتمالات زيادة الحاجة إلى إدارة مشتركة للتقلبات المناخية، مثل الجفاف الممتد أو تغيرات الأمطار في حوض النيل.

ومن هنا تأتي أهمية الاتفاق على قواعد تشغيل أكثر شفافية، وتبادل بيانات دقيقة، وتقييم أثر بيئي وهيدرولوجي متفق عليه، إضافة إلى آليات إنفاذ أو تسوية تضمن عدم تكرار الأزمات.

## خلاصة
يظل ملف السدود الإثيوبية في قلب الخلافات المائية بين مصر وإثيوبيا والسودان منذ إعلان أديس أبابا بناء سد النهضة على النيل الأزرق. وترى مصر أن أي توسع في المنشآت المائية يجب أن يكون تحت مظلة قواعد واضحة وملزمة تمنع الإضرار وتضمن التشغيل وإدارة فترات الجفاف بشفافية وتنسيق. بينما تؤكد إثيوبيا على حقها في استغلال مواردها المائية لأغراض التنمية وتوليد الكهرباء.

وفي ظل الحديث عن ثلاثة سدود جديدة، يعود السؤال القانوني والعملي إلى واجهة المشهد: هل تُستكمل المشروعات ضمن إطار تفاوضي يضمن التزامًا فعليًا، أم ستتكرر مخاطر التشغيل الأحادي وتأثيراته على دول المصب؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *