في ظل اضطرابات أمنية غير مسبوقة أثّرت بشكل مباشر على طرق التجارة العالمية عبر البحر الأحمر، اتجهت هيئة قناة السويس إلى تحديث نهجها التشغيلي وتسريع إطلاق خدمات بحرية متخصصة تستهدف تلبية احتياجات السفن المتأثرة بالتحولات في مسارات الملاحة، بما يساعد على الحفاظ على دور القناة كممر عالمي محوري وخدمة لوجستية متكاملة.
وأكد الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أن الخطوات الجديدة لم تقتصر فقط على تقليل أثر تراجع حركة عبور السفن، بل أسهمت كذلك في تعزيز الإيرادات الدولارية وتعويض جزء من الخسائر الناتجة عن انخفاض أعداد السفن العابرة.
## أثر التحديات الأمنية على حركة الملاحة
وأشار رئيس الهيئة إلى أن التطورات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر أدت إلى تراجع ملحوظ في حركة الملاحة خلال عامي 2024 و2025، حيث سجلت مؤشرات الانخفاض نحو نصف أعداد السفن والإيرادات. ويرجع ذلك إلى توجه عدد كبير من السفن إلى مسار بديل عبر رأس الرجاء الصالح، تفادياً للمخاطر المرتبطة بالهجمات الصاروخية أو التهديدات الأمنية في المنطقة.
وأوضح أن الانخفاض انعكس بشكل واضح على عدد السفن العابرة يومياً، إذ تراجع من نحو 75 إلى 80 سفينة يومياً إلى قرابة 30 سفينة، وهو ما خلق تحدياً مزدوجاً يتمثل في ضغط الإيرادات وتزايد الحاجة إلى خدمات مرافقة للسفن أثناء توقفها أو عبورها.
## حزمة خدمات بحرية جديدة لرفع الكفاءة وتعظيم العائد
وبهدف تعويض الفاقد وتحويل جزء من الاحتياجات الجديدة إلى فرص تشغيلية، طورت الهيئة مجموعة خدمات بحرية ابتكارية تستهدف السفن التي تمر بتعطل أو تأخير أو تتطلب دعماً سريعاً في مناطق قريبة من المجرى الملاحي.
وشملت الخدمات الجديدة—بحسب ما أعلنته الهيئة—مجالات متعددة مثل:
– إنقاذ السفن وتقديم الدعم الطارئ عند الحوادث أو تعرضها لمخاطر.
– صيانة وإصلاح السفن، بما في ذلك التعامل مع الأضرار الهيكلية والتشغيلية.
– تبديل الأطقم وتسهيل إجراءات استبدال البحارة في مواقع قريبة من القناة.
– تموين السفن بالوقود في مواقع تشغيلية رئيسية.
– مكافحة التلوث والتعامل البيئي الفوري عند وقوع تسريبات أو انبعاثات.
وقد أشارت الهيئة إلى أن عدد الخدمات المطروحة بلغ ما بين ثماني وتسع خدمات جديدة كانت غير متاحة سابقاً أو لم تكن بنفس الصورة العملية والتجميع المتكامل.
## أمثلة تطبيقية على أثر الخدمات الجديدة
لإبراز فعالية هذه الخدمات، استشهد رئيس هيئة قناة السويس بحالة السفينة اليونانية «زوقرافيا»، التي تعرضت لإصابة بصاروخ في البحر الأحمر. ووفقاً لما ذكره، قامت الهيئة بتفعيل منظومة الدعم عبر الدفع بقاطراتها لإنقاذ السفينة، ثم نقلها لاحقاً إلى ترسانة السويس التابعة للهيئة لإجراء الإصلاحات اللازمة وإصلاح الأضرار التي لحقت بهيكلها.
كما لاقت خدمة تبديل الأطقم إقبالاً متزايداً، حيث رغبت سفن متعددة في تنفيذ عمليات التبديل داخل السويس أو الإسماعيلية أو بورسعيد. وفي الإطار نفسه، تم توفير خدمة تموين السفن بالوقود في المدن الثلاث، وهو ما ساعد على تقليل وقت الانتظار وزيادة الاستمرارية التشغيلية للسفن أثناء ظروف الملاحة الصعبة.
## عائد دولاري وتحول في نموذج الخدمة
ترى هيئة قناة السويس أن التركيز على الخدمات البحرية المتقدمة يمكن أن يخلق قيمة مالية حتى في ظل انخفاض أعداد العبور، عبر تحويل جزء من الاحتياجات التشغيلية للسفن إلى خدمات مدفوعة بجودة وسرعة. وأكد رئيس الهيئة أن جميع تلك الإجراءات ساهمت في تحقيق عائدات بالدولار، وساعدت في تعويض جزء من الخسائر الناجمة عن تراجع حركة المرور داخل المجرى الملاحي.
ومع استمرار التحديات الأمنية وتذبذب مسارات التجارة العالمية، تتجه القناة—وفق هذا التوجه—إلى تعزيز نموذجها كمركز للخدمات البحرية المتكاملة، ليس فقط كممر لعبور السفن، بل كسلسلة دعم لوجستية تضم الإنقاذ والإصلاح والتموين وتبادل الأطقم وإدارة المخاطر البيئية.
## آفاق مستقبلية
يتوقع أن تستمر الهيئة في توسيع نطاق الخدمات البحرية المساندة وربطها بمنظومة جاهزية تشغيلية وإدارية أسرع، بما يرفع القدرة على استيعاب موجات التوقف أو التأخير الناتجة عن أي توترات أمنية. كما يمكن أن يسهم هذا التوسع في ترسيخ مكانة القناة كوجهة لخدمات السفن في المنطقة، وتعزيز قدرتها على امتصاص صدمات حركة الملاحة وتحقيق استدامة أكبر للعائدات.

التعليقات