يرى العميد الدكتور طارق العكاري، المتخصص في الشأن الاستراتيجي والاقتصاد العسكري، أن المنطقة تقف أمام سيناريو متصاعد قد يأخذ شكل حرب واسعة، معتبراً أن الصراع لم يعد محصوراً في دولة أو طرف واحد، بل امتدّت تداعياته لتطال أطرافاً متعددة، وأن دول الخليج تظهر من الأكثر تأثراً بما يترتب على المواجهة من مخاطر أمنية واقتصادية واحتمالات تعطّل الملاحة وسلاسل الإمداد.
وفي حديثه خلال لقاء مع الإعلامية لبنى عسل مقدمة برنامج «الحياة اليوم» على فضائية الحياة، أوضح العكاري أن إيران تستند في قدرتها على الاستمرار إلى عامل «العمق الجغرافي»، وهو ما يجعل من الصعب عملياً إغلاق جميع المنافذ والممرات التي يمكن أن تنطلق منها عمليات الإطلاق، لاسيما ما يتعلق بالصواريخ قصيرة المدى. وفي المقابل، يرى أن التعامل مع الصواريخ طويلة المدى يكون أكثر قابلية للضبط والاحتواء، لأنها تحتاج إلى وقت أطول في التجهيز والانتقال، ما يمنح الجهات المعنية هامشاً أكبر للرصد والاستعداد.
وأضاف أن الطائرات المسيرة، رغم استخدامها كأداة تأثير سريعة، يمكن رصدها في مراحل مبكرة في حال توفر منظومات إنذار ورقابة فعالة، وهو ما يرفع من أهمية الاستثمار في أنظمة المراقبة والاستخبارات وربطها بغرف العمليات، لتقليل فجوات التوقيت بين مرحلة الاكتشاف ومرحلة الاعتراض.
## حرب استنزاف تتطلب تكاملاً متعدد الأبعاد
يشير العميد طارق العكاري إلى أن المواجهة الحالية لم تعد مجرد سلسلة ضربات متبادلة، بل تتجه إلى «حرب استنزاف» تُستنزف خلالها الإمكانات والقدرات والموارد على مدى زمني أطول، سواء بالنسبة للولايات المتحدة أو إيران. ويؤكد أن حسم المعادلة لا يتم عبر الصواريخ أو الطائرات المسيرة وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين القوات الجوية والبحرية والبرية، إضافة إلى الحرب الإلكترونية، ورفع كفاءة القيادة والسيطرة، والقدرة على إدارة العمليات لحظياً عبر غرف عمليات متقدمة.
ومن زاوية الحرب الإلكترونية، يوضح العكاري أن أحد عناصر التفوق يتمثل في تعطيل سلسلة القرار لدى الخصم: مثل التشويش على الاتصالات، وإعاقة أنظمة الملاحة أو التصويب، والحد من فاعلية الاستطلاع والتوجيه. كما تصبح المعالجة الدفاعية والهجومية جزءاً من معادلة متصلة، حيث لا يكفي مجرد اعتراض تهديدات آنية، بل يلزم أيضاً تحييد مصادر الإطلاق وممرات الإسناد ومنصات الإمداد.
## هدف الضغط على دول الخليج.. وتقدير بعدم جدوى الإيقاف
ويرى المتحدث أن الهجمات الإيرانية على دول الخليج «غير مبررة» من حيث الهدف المباشر، موضحاً أن طهران تسعى إلى الضغط على دول الخليج عبر خلق واقع أمني ضاغط، بهدف دفع هذه الدول إلى المطالبة بوقف الضربات أو تعديل سلوك الولايات المتحدة.
لكن العكاري يقدّر أن هذا المسار لن يؤدي إلى وقف العمليات الأمريكية، لأن طبيعة المواجهة تستند إلى اعتبارات أوسع من مجرد ردات فعل سياسية آنية، ولأن الولايات المتحدة تميل إلى إدارة التهديدات عبر خطوات متدرجة ومتواصلة تهدف إلى تقليص قدرة الخصم على التكرار وتحسين وضع الردع.
## أبعاد إضافية لتداعيات المواجهة على المنطقة
ولتعزيز الصورة، يشير الخبراء في الشأن الاستراتيجي عادة إلى أن التصعيد لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى جوانب اقتصادية وأمنية مباشرة، مثل ارتفاع تكاليف التأمين على الشحن، واحتمالات تعطّل حركة التجارة، وازدياد الضغط على منظومات الدفاع الجوي، إضافة إلى تأثير ذلك على الاستقرار الداخلي في الدول المستهدفة. كما تبرز أهمية التنسيق الإقليمي في مشاركة المعلومات الاستخباراتية، ورفع الجاهزية المشتركة، وتطوير بروتوكولات الاستجابة للطوارئ لتقليل خسائر الأرواح والأضرار.
وفي المجمل، يختصر العكاري تقييمه بأن المنطقة أمام مرحلة شديدة التعقيد تتطلب استعداداً متكاملاً، وأن المواجهات الممتدة التي تعتمد على أدوات متعددة لا يمكن مواجهتها بمنطق منفصل لكل تهديد، بل عبر منظومة شاملة تجمع بين الرصد المبكر والقدرة على الاعتراض والدفاع السيبراني والقيادة الفعالة.

التعليقات