أكد طارق البرديسي، المحلل السياسي وخبير العلاقات الدولية، أن الرؤية المصرية التي جرى العمل بها في قطاع غزة هي التي بدأت ملامحها تتضح على الأرض، لافتا إلى أن جوهرها يتمثل في تسليم سلاح حركة حماس إلى لجنة وطنية تُدار بمنطق تكنوقراطي غير فصائلي، بما يضمن نقل السلطة والصلاحيات وفق إطار مؤسسي يراعي مصلحة الفلسطينيين ويقلل من احتمالات عودة الفوضى العسكرية.
وأوضح البرديسي خلال ظهوره على قناة «صدى البلد» أن مصر ليست طرفا في صراع بين «فريق» وآخر داخل الساحة الفلسطينية، بل تقف – بحسب تعبيره – مع فكرة الدولة ومرتكزاتها، ومع حماية الهوية الفلسطينية، لأن بناء الدولة يحتاج إلى مؤسسات جامعة لا إلى حلول مؤقتة تُغذي الانقسام أو تُكثّف حلقات المواجهة.
وأضاف أن الدور المصري يتمحور حول كون مصر «تجمع ولا تفرق»، وتعمل على التقريب لا التباعد، وقد قطعت الطريق – كما قال – أمام محاولات إسرائيل لإحداث شرخ جديد في الموقف الفلسطيني. واعتبر أن ما يجري حاليا يعكس وحدة القرار الفلسطيني، ويشكّل في الوقت ذاته عاملا يحد من أي تعنت إسرائيلي قد يهدف إلى إفشال المسار السياسي أو فرض وقائع جديدة على الأرض.
وأشار البرديسي إلى أن الأحداث المتلاحقة تثبت – في تقديره – دقة وحصافة القراءة المصرية للمشهد، حيث سبق أن حذرت القاهرة من اتساع دائرة الصراع وتبعاتها الإقليمية، وتواصل في الوقت نفسه تقديم رؤى قد لا تراها أطراف أخرى. واعتبر أن نجاح أي ترتيبات في غزة يتطلب إدراك التعقيدات العميقة المرتبطة بإدارة السلاح والشرعية السياسية وإعادة بناء النظام العام.
وأكد المحلل السياسي أنه لا يوجد بديل للدور المصري في غزة، ولا توجد دولة – وفق رؤيته – تمتلك القدرة على فهم تفاصيل هذا المشهد كما تفعل مصر، معتبرا أن دورها يشبه دور الطبيب الذي يراقب مراحل «تخليق» الاتفاق ثم ضمان تنفيذه على نحو يحفظ الاستقرار ويحمي المدنيين.
ولفت البرديسي إلى أن المتابعة الدولية المرتقبة ستقوم بدور حاسم في ضمان التزام حركة حماس بتسليم سلاحها للجنة الوطنية، كما ستتابع كذلك انسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة، بما يضمن تحويل الاتفاق من مجرد نوايا إلى إجراءات قابلة للقياس والتدقيق، ويحد من مخاطر الالتفاف أو التعثر.
وأضافت التوجهات المرتبطة بالرؤية المصرية – بحسب ما يُفهم من هذا الطرح – أن الهدف الأبعد هو تمكين مؤسسات وطنية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية، وفتح الباب أمام ترتيبات أوسع تشمل ضبط الأمن، وتثبيت وقف إطلاق النار، ودعم مسار إعادة الإعمار وإعادة تفعيل الخدمات. كما أن وجود لجنة تكنوقراط غير فصائلية يُنتظر أن يسهم في تقليل احتكاكات السلاح داخل المجتمع، ويعزز ثقة السكان بآليات الحكم المقبلة.
وبذلك، تتقاطع الرؤية المصرية مع مطالب أساسية تتمثل في بناء الدولة، وحماية الهوية الفلسطينية، وتوحيد القرار، مع توفير ضمانات تنفيذية عبر لجان وطنية ودعم دولي للمتابعة، بما يضع سقفا واضحا أمام أي محاولات لتأجيج الخلافات أو فرض شروط أحادية.

التعليقات