أكد الكاتب الصحفي ماجد منير، رئيس تحرير جريدة «الأهرام»، أن الوعي المجتمعي والأسري بخطورة أزمة السوشيال ميديا آخذ في الاتساع، خصوصًا فيما يتعلق بتآكل الترابط الأسري. وأوضح أن الأسرة الواحدة قد تجتمع جسديًا في المكان نفسه، بينما ينغمس كل فرد في عالمه الخاص عبر شاشة الهاتف، فيتراجع التواصل الحقيقي والحوار داخل البيت، وتضعف الروابط العاطفية والمعرفية التي تُبنى عليها حياة الأسرة.
وأشار منير، خلال لقائه الإعلامي نافع التراس في برنامج «المواطن والمسؤول» على قناة «الشمس»، إلى أن التحدي لا يقتصر على الإدمان الرقمي أو كثرة الاستخدام، بل يتجاوزه إلى «طبقة أعمق» تتمثل في دور خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي. فهذه الخوارزميات لا تقدم للمستخدم الحقيقة بصورة متوازنة، بل تقوم بتخصيص المحتوى وفقًا لتاريخ تصفحه واهتماماته السابقة، بما يؤدي إلى تكوين «فقاعات معلوماتية»؛ حيث تتكرس الأفكار التي ينجذب لها الفرد، وتُخفى أو تُهمَّش معلومات أخرى قد تكون جوهرية لفهم الواقع بعمق أو لاكتساب معرفة أكثر تنوعًا.
وحذر الكاتب الصحفي من مارد جديد لم يدرك المجتمع بعد حجم خطورته، وهو الذكاء الاصطناعي. فمع تطور أدواته، أصبح بالإمكان إنتاج محتوى مرئي ومسموع يبدو متكاملًا ومقنعًا على المنصات الرقمية، وقد لا يمت بصلة للحقيقة. وتزداد المشكلة عند اقتران هذا المحتوى بسرعة الانتشار مع «جودة» عالية جدًا، تجعل الكثيرين يصدقون أنه واقعي بنسبة كبيرة. وهنا تصبح المخاطر مضاعفة: تشويه الحقائق، تضليل الرأي العام، وإضعاف قدرة الشباب على التمييز بين المعلومة المؤكدة والادعاء المُصاغ بإتقان.
ولفت منير إلى أن مواجهة هذا التحدي الوجودي تتطلب رؤية واضحة ترتكز على محورين أساسيين. المحور الأول هو التربية الإعلامية والثقافة الرقمية، بما يعني إدخال مفاهيم التربية الإعلامية ضمن منظومة التعليم الأساسي والجامعي. فحين يتعلم الطالب كيف يقيم المحتوى، ويميز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة، وكيف يتحقق من مرجعية المعلومات ودقتها، يصبح أكثر قدرة على مقاومة التأثيرات العاطفية التي قد تُنتجها المنشورات المفبركة أو المُضللة.
أما المحور الثاني فيتعلق بالضوابط التشريعية والإجرائية؛ حيث شدد على ضرورة وجود تشريعات وقوانين وطنية تنظم الفضاء الرقمي. وأوضح أن وجود إطار قانوني يضمن حدًا أدنى من ضبط الأداء وحماية النشء، حتى لو حاول البعض الالتفاف على القواعد. كما دعا إلى تفعيل أدوات المساءلة المهنية والتقنية التي تحد من تداول المحتوى الخادع، وتُحكم الرقابة على الجهات التي تمارس تضليلًا ممنهجًا أو تستغل الجمهور لاستهداف مصالح معينة.
وبالإضافة إلى ما سبق، أكد منير أن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في تحويل المستخدم—وخاصة الشباب—من «متلقٍ سلبي» إلى «مستخدم واعٍ». ويتطلب ذلك تعزيز مهارات التفكير النقدي، وتعلم كيفية قراءة الرسائل الرقمية بمنطق علمي: من أين جاءت المعلومة؟ من صاحبها؟ ما مصدر البيانات؟ وهل هناك دلائل مستقلة تدعمها؟ كما يُنصح بتقليل الاعتماد على محتوى واحد أو مصدر منفرد، والبحث عن تأكيد مستقل قبل تبني فكرة أو مشاركة منشور.
في النهاية، يشير هذا الطرح إلى أن خوارزميات المنصات والذكاء الاصطناعي ليسا مجرد أدوات تقنية، بل يمكن أن يتحولا إلى عوامل مؤثرة في اتجاهات المجتمع وعقول أفراده. ومن ثمّ فإن بناء وعي إعلامي وتطوير أطر تنظيمية وتشجيع التحقق المستمر من المعلومات، باتت ضرورة لحماية التماسك الأسري، وتقوية مناعة الشباب ضد التضليل، وضمان استخدام المنصات الرقمية بشكل أكثر أمانًا ومسؤولية.

التعليقات