التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور رمضان قرني، الخبير في الشؤون الأفريقية، أن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا تمثل خطوة محورية في مسار العلاقات المصرية الأفريقية، لما تعكسه من تطور في توجهات السياسة الخارجية المصرية وتوسيع لحضورها داخل القارة عبر شراكات ملموسة لا تقتصر على الإطار الدبلوماسي.

علاقات تاريخية واقتصادية تتجدد عبر شراكات استراتيجية
وأوضح قرني أن أهمية الزيارة نابعة من كونها تعزز مسارًا من العلاقات التاريخية والاقتصادية التي تربط مصر وتنزانيا منذ عقود، خاصة مع تنوع مجالات التعاون بين البلدين. ولفت إلى أن الرئيس السيسي وصف هذه العلاقات بأنها استراتيجية، وهو توصيف يستند إلى ترابط المصالح وتعدد مسارات التعاون بما يشمل التعاون التنموي والروابط المؤسسية والاتفاقات التي تدعم تنفيذ المشروعات.

توسيع نطاق التحرك المصري شرق أفريقيا
وأشار الخبير إلى أن اختيار تنزانيا ومنطقة شرق أفريقيا يحمل دلالات تتعلق بتغيير نمط التحرك المصري؛ إذ لم يعد يقتصر على المسارات التقليدية مثل حوض النيل والقرن الأفريقي، بل اتجه ليشمل مساحات ومحاور جديدة داخل القارة. وأكد أن هذا التوسع يعني قراءة أكثر شمولًا لاحتياجات دول القارة وفرص الربط والتكامل الاقتصادي، بما يحقق مصالح مشتركة على المدى المتوسط والطويل.

إرث تاريخي داعم لحركات التحرر الأفريقية
وبيّن قرني أن العلاقات المصرية التنزانية تقوم أيضًا على إرث تاريخي يرتبط بفترتي الزعيمين جمال عبد الناصر وجوليوس نيريري، ودور البلدين في دعم حركات التحرر الأفريقية والمساهمة في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية. وأكد أن هذا الرصيد التاريخي لا يُستحضر رمزيًا فقط، بل يمكن أن يشكل قاعدة لتعميق التعاون في المرحلة المقبلة عبر تحويل القواسم المشتركة إلى برامج عملية.

مشروعات تنموية في قلب التعاون
ولفت إلى أن مشروع سد “جوليوس نيريري” يُعد نموذجًا بارزًا للتعاون التنموي بين الدول الأفريقية، باعتباره يعكس قدرة الشراكات على نقل الخبرات الفنية وتبادل المعرفة بما يخدم خطط التنمية. كما أشار إلى أن التعاون لا يقتصر على قطاع واحد، بل يمتد إلى قطاعات استراتيجية مثل الأمن الغذائي، إضافة إلى جوانب الربط الملاحي واللوجستيات.

ممرات بحرية تعزز التكامل والقدرة على الوصول
ومن بين محاور التعاون التي تمثل قيمة اقتصادية وجغرافية لوجستية، ذكر قرني مشروع الربط البحري بين سفاجا ودار السلام، معتبرًا أن الموقع الجغرافي لتنزانيا يمنحها دورًا بوصفها بوابة مهمة داخل القارة. ووفق هذا التصور، فإن تحسين مسارات الحركة والتبادل التجاري يدعم التجارة بين مصر ودول شرق أفريقيا، ويعزز فرص الاستثمار ويقلل كلفة سلاسل الإمداد.

رسالة القاهرة: التنمية لا الشعارات
ورفض قرني ما يُثار من ادعاءات حول “غياب مصر” عن أفريقيا، مؤكدًا أن هذا الطرح لا ينسجم مع واقع العلاقات الدبلوماسية والمشروعات التنموية القائمة في عدة دول أفريقية. وشدد على أن الرسالة الأساسية لمصر تتمثل في دعم التنمية، وأن القاهرة لا تكتفي بإطلاق مواقف عامة، بل تمتلك أدوات سياسية واقتصادية ومؤسسات قادرة على إدارة شراكات حقيقية على الأرض.

التنافس الدولي داخل أفريقيا وفرادة الرؤية المصرية
وفي سياق الحديث عن تنافس القوى الدولية على النفوذ داخل أفريقيا، أوضح قرني أن القارة أصبحت ساحة لمقاربات متعددة من القوى الكبرى. ورغم أن مصر تتحرك ضمن هذا الواقع وفق إمكاناتها، فإنها تختلف—بحسب رأيه—عن غيرها بامتلاك رؤية أفريقية متكاملة ترتكز على حلول تنبع من احتياجات القارة نفسها.

شراكة تقوم على الثقة وتقديم حلول أفريقية
وأكد أن الحضور المصري يقوم على مبدأ “دعم الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية”، وأن غياب التاريخ الاستعماري المباشر يمنح تحركات مصر قبولًا وثقة لدى عدد كبير من الدول الأفريقية. ويمثل ذلك عاملًا مهمًا لتوسيع دائرة التعاون وتحويل الشراكات إلى نتائج عملية في مجالات التنمية والتمكين وبناء القدرات.

وبذلك، تُقرأ زيارة السيسي لتنزانيا كحلقة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تعميق العلاقات وتحويلها إلى مشاريع وممرات تكامل، بما ينسجم مع توجه مصر نحو تعزيز دورها كشريك تنموي وسياسي في شرق أفريقيا وفي مختلف أنحاء القارة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *