أكد الدكتور كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد الدولي، أن الولايات المتحدة الأمريكية تظل في وضع أفضل من غيرها عند اندلاع الأزمات الممتدة أو استمرار الحروب، موضحًا أن أثر هذه الأحداث لا ينعكس بنفس القوة على جميع القوى الاقتصادية، وأن واشنطن غالبًا ما تحقق مكاسب اقتصادية أو على الأقل تحد من حجم الخسائر مقارنةً بالاقتصادات الكبرى الأخرى. وأوضح العمدة أن التفريق بين فترات السلام والهدنات وبين مراحل الصراع لا يغير حقيقة مركزية تتمثل في قدرة الولايات المتحدة على امتصاص الصدمات بمرونة أكبر، سواء عبر تحريك الطلب الداخلي، أو توجيه الاستثمارات نحو قطاعات أكثر استفادة، أو الاستفادة من دورها المالي والتجاري العالمي.
وفي المقابل، شدد الدكتور العمدة على أن الاتحاد الأوروبي والدول الآسيوية، وبالذات الصين، تتحمل العبء الأكبر من التداعيات الاقتصادية الناجمة عن استمرار التوترات. فمع تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة التمويل وارتفاع المخاطر المرتبطة بالأسواق، تتأثر معدلات النمو بشكل مباشر، كما تتعرض حركة التجارة العالمية لارتداد سلبي يظهر في تراجع بعض الأحجام التجارية وارتفاع أسعار السلع. وأشار إلى أن استمرار النزاعات يفاقم حالة عدم اليقين لدى الشركات والمستثمرين، وهو ما ينعكس على قرارات الإنتاج والتوسع والاستيراد.
ومن أبرز المجالات التي تتأثر بتصاعد التوترات أسواق الطاقة. فمع أي تصعيد أو تهديد لمسارات الإمداد يرتفع سعر النفط، وتزداد تكاليف عمليات التخزين والنقل والتأمين، ما ينعكس لاحقًا على تكاليف الإنتاج في القطاعات كافة. ومع ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية ترتفع معدلات التضخم في عدة دول، وتتسع الفجوة بين ارتفاع الأجور وتكلفة المعيشة، ما يدفع الحكومات إلى مواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية متزامنة. وأكد العمدة أن الاتحاد الأوروبي، بحكم اعتماد جزء معتبر من اقتصاده على مصادر الطاقة والاستيراد، يمتلك مصلحة اقتصادية عاجلة في إنهاء الحرب بأقرب وقت، بهدف الحد من نزيف التكاليف وحماية الاستقرار المالي وتقليل الضغوط على موازناته.
كما لفت الدكتور العمدة إلى أن التنافس على موارد الطاقة في منطقة الخليج يزيد من تعقيد المشهد الدولي، لأن أي خلل في الإمدادات أو أي صراع على طرق النقل يعيد ترتيب الأسعار والاتجاهات الاستثمارية على مستوى واسع. وأشار إلى أن استمرار التوترات لفترة طويلة قد يخلق بيئة تُترجم إلى أزمة حادة تهدد الاستقرار المالي والتجاري، عبر ارتفاع المخاطر الائتمانية، وتذبذب العملات، وتعطل الاستثمارات العابرة للحدود.
ولتعزيز فرص تقليل الأضرار الاقتصادية، أضاف أن الاتحاد الأوروبي يواصل توظيف أدواته الدبلوماسية ومحاولاته لخلق قنوات تواصل بين الأطراف المتنازعة، بهدف الوصول إلى هدنة أو اتفاق يقلص منسوب التصعيد ويخفف تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي. وأكد أن نجاح أي مسار تفاوضي لا يقتصر أثره على الجانب السياسي، بل ينعكس أيضًا على توقعات السوق، ويزيد قدرة الشركات على التخطيط طويل الأجل، ويحد من تضخم التكاليف وعدم اليقين.
وبإجمال الصورة، خلص الدكتور كريم العمدة إلى أن الأزمة لا تؤثر بالتساوي على الجميع: فبينما تبدو الولايات المتحدة أكثر استعدادًا لتحقيق مكاسب أو تقليل الخسائر، يظهر الاتحاد الأوروبي كأحد الأكثر تضررًا من استمرار الحروب، سواء عبر قنوات التضخم وارتفاع الطاقة أو عبر اهتزاز حركة التجارة وسلاسل الإمداد، في ظل عالم مترابط تتضاعف فيه تبعات الصراع كلما طال أمده وتوسعت حلقاته الاقتصادية.

التعليقات