أكد الدكتور سعيد حسانين، استشاري التخطيط العمراني، أن مشروع إعادة إحياء القاهرة الإسلامية والتاريخية يعد من أولويات العمل التنموي، لكون المنطقة تحمل قيمة تاريخية وحضارية استثنائية على مستوى عالمي. وأشار إلى أنها تضم نحو 500 أثر، بما يجعلها ليست مجرد مساحة عمرانية، بل سجلًا حيًا لحقب متعددة من تاريخ مصر. وأوضح أن التطوير الجاري في بعض المواقع الأثرية—ومنها سور مجرى العيون وملامح من القاهرة التاريخية—يُعد خطوة مهمة، لكنه يظل بحاجة إلى استكمال شامل وفق رؤية تحفظ الهوية وتضمن الاستدامة.
وأوضح حسانين في مداخلة عبر شاشة «إكسترا نيوز» أن المناطق التاريخية ما زالت تواجه احتياجات تطوير متواصلة؛ سواء على مستوى ترميم وصيانة الأصول الأثرية، أو رفع كفاءة الخدمات المقدمة للزائرين والمقيمين. وأكد أن تحسين الخدمات يشكل عنصرًا مباشرًا في تعزيز قدرة المنطقة على جذب مزيد من السياح، وتحويلها تدريجيًا إلى بيئة أكثر جاذبية للزوار والاستثمارات. كما شدد على أن نجاح التطوير يرتبط بمدى مراعاة خصوصية المكان، لأن المناطق التاريخية تختلف عن غيرها من المناطق العمرانية من حيث القواعد والمعايير ومتطلبات الحماية.
وأكد استشاري التخطيط العمراني أن الدولة لا تستطيع تنفيذ كل مهام الإحياء بمفردها، نظرًا لحجم المشروعات وتشعبها وتداخل عناصرها. وبيّن أن الدور الأساسي للدولة يتمثل في توفير البنية التنظيمية والتخطيطية: من وضع الأطر والقواعد والاشتراطات التي تكفل الحفاظ على الطابع التاريخي، إلى تنظيم عمليات التنمية بحيث تتم على نحو متوازن يحمي الموروث الثقافي ويضبط النمو العمراني.
وشدد في الوقت نفسه على أهمية إشراك القطاع الخاص والمطورين العقاريين ضمن منظومة شراكة واضحة، خصوصًا مع محدودية الأراضي المملوكة للدولة، والحاجة إلى توجيه الاستثمار نحو تحقيق قدر أكبر من السيطرة على النمو العمراني وتنظيمه وفق طبيعة المناطق التاريخية. وأوضح أن وجود القطاع الخاص لا يعني فصل الحماية عن التطوير، بل يعني توزيع الأدوار بحيث يتحول التمويل والخبرة التنفيذية إلى قوة داعمة لمشروعات الترميم وإعادة الاستخدام المتوازن.
ولفت حسانين إلى أن القاهرة التاريخية ليست مجموعة مبانٍ وآثار فقط، بل تضم حياة متكاملة وأنشطة يومية يمارسها المواطنون. لذلك شدد على أن مشروعات التطوير يجب أن تُنفذ بطريقة تراعي مصالح السكان وتضمن استمرار أنماط الحياة الأساسية دون تعطيل مفرط، أو الإضرار بالخدمات المحلية التي يعتمد عليها المجتمع. ويُعد ذلك—بحسب طرحه—شرطًا لضمان قبول المجتمع للمشروعات، وتحويل المنطقة إلى نموذج “تراث يعيش” لا مجرد مساحة للعرض المؤقت.
وفيما يتعلق بالجانب الفني، أشار إلى أن أعمال ترميم وصيانة الآثار وتجديد المنشآت التاريخية تتطلب تكاليف مالية ضخمة وكوادر متخصصة. ومن هنا تظهر الحاجة إلى مشاركة القطاع الخاص إلى جانب أجهزة الدولة لتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة، بما يسمح بتسريع تنفيذ أعمال الحماية وفق معايير مهنية ودقيقة.
كما أكد أهمية الاهتمام بشبكات المرافق والبنية التحتية داخل المناطق التاريخية؛ باعتبارها عنصرًا حاسمًا في استدامة التطوير. فضعف كفاءة المياه والصرف والكهرباء والاتصالات—أو تراجعها—قد يؤثر على حالة المباني الأثرية ويقلل القدرة الاستيعابية للمنطقة أمام الزيادة المتوقعة في الزوار. لذلك شدد على أن تحديث المرافق ينبغي أن يتم بما لا يسبب ضررًا للمكونات التاريخية، مع اعتماد حلول هندسية تراعي طبيعة المباني القديمة.
ورأى أن التطوير المتوازن، عبر تحسين الخدمات والبنية الأساسية بالتوازي مع الحفاظ على القيمة التاريخية والأثرية، من شأنه أن يرفع فرص جذب المستثمرين والسياح. كما يدعم ذلك توجه الدولة نحو إعادة إحياء القاهرة الإسلامية والتاريخية وتحويلها إلى وجهة حضارية وسياحية أكثر جذبًا، بما ينعكس على الاقتصاد المحلي وفرص العمل.
واختتم حسانين بالتأكيد أن نجاح مشروعات الإحياء يتوقف على تكامل الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي. فالمعادلة المطلوبة—كما أكد—ليست سهلة: الحفاظ على التراث مع تطوير العمران وتحسين معيشة المواطنين، وفي الوقت ذاته تعزيز النشاط السياحي والاستثماري. وأبرز أن الوصول لهذه النتيجة يتطلب آليات شراكة مرنة وواضحة، ورقابة والتزامًا بمعايير الحماية، وخطة تنفيذية تراعي الزمن والاحتياجات الحقيقية للسكان والزوار.

التعليقات