أكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عماد الدين أديب أن تمسّكه بلقب «صحفي» يعود إلى ما رسّخه له أساتذته في كلية الإعلام، وعلى رأسهم الأستاذ الراحل جلال الدين الحمامصي، موضحًا أن الصحافة في جوهرها ليست مجرد مهنة أو دور إعلامي، بل هي محاولة دائمة للبحث عن الحقيقة بصياغة موضوعية قدر الإمكان.
جاء ذلك خلال لقاء خاص مع بودكاست «موعد مع لميس» الذي تقدمه الإعلامية لميس الحديدي، حيث تناول الحوار إشكاليات دقيقة تتعلق بمفهوم الحقيقة وحدودها في العمل الصحفي، إضافة إلى علاقته بتقييم أدائه المهني، واعترافه بتقصيره أحيانًا دون أن يربط ذلك بتقصير أخلاقي.
# لماذا يظل «الصحفي» هو الاختيار الأقرب؟
سألت لميس أديب: لماذا يتمسك بلقب الصحفي رغم أنه اشتغل سابقًا في التلفزيون وكان منتجًا، أي أن لديه مسارات متعددة؟ فرد أديب بأن قضيته الأساسية ترتبط بفكرة البحث عن الحقيقة. وأوضح أن البحث عن الحقيقة أو محاولة الاقتراب منها يتجسد في كل فنون التواصل، سواء عبر الخبر أو عبر الحوار الصحفي أو عبر التلفزيون والإذاعة، وصولًا إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وحتى عبر الإنتاج الفني عندما يكون الهدف التعبير عن مشاعر وإحباطات وهموم الناس وقضاياهم الاجتماعية.
وبذلك يصبح «الصحفي» بالنسبة له إطارًا أخلاقيًا ومهنيًا مستمرًا، لا وظيفة عابرة؛ لأنه يعني—بحسب تعبيره—التزامًا طويلًا بمحاولة الاقتراب من الحقيقة، لا ادعاء امتلاكها كاملة.
# إشكالية الحقيقة في العالم العربي قرب صناع القرار
انتقلت لميس إلى سؤال أشد حساسية: ما الذي يحدث حين تتصل الصحافة بمناطق النفوذ وصناع القرار؟ وأشارت إلى أن الحديث عن الحقيقة في العالم العربي قد يكون ملتبسًا أحيانًا، خاصة عند الاقتراب من دوائر القرار، لأن المطلوب أحيانًا ليس «كل الحقيقة»، بل جزءًا منها أو صياغة لا تصطدم بالمصالح أو القيود.
هنا أجاب أديب بأن شرط التحدث عن الحقيقة يتطلب عدم الوقوع في الكذب. وتابع أنه قد يعرف تفاصيل كثيرة لكنه لا يقول كل شيء، لأسباب تتعلق بكونه غير مصرح له بذلك، أو لغياب الشجاعة الكافية أو الكاملة للقول وفق ما يراه صحيحًا بالكامل.
# حدود الشجاعة والصدق: «أنا إنسان»
حين سألته لميس عن الاعتراف بأن الشجاعة ليست دائمًا كاملة، أجاب أديب بوضوح: هو إنسان، ومن يدّعي أنه يقول الحقيقة دائمًا دون تراجع أو «تسويات» أو تنازلات فهو—في نظره—لا يكون صادقًا.
ثم أضاف عند سؤاله عن مراجعة الذات: «دائمًا، دي مشكلتي». وهذا الاعتراف يعكس—وفق طرحه—وجود معيار داخلي يظل يقيس به قراراته المهنية، حتى إن لم تكن المراجعة مرتبطة بالضرورة بنقض المبدأ.
# ما الفرق بين التقصير المهني والتقصير الأخلاقي؟
أجابت لميس بسؤال يلامس تجربة الصحفي نفسه: هل يمكن أن يلوم نفسه على مقال أو حوار أو سؤال لم يتم طرحه؟ وأكدت أنها ترى في المحاسبة الذاتية جزءًا من النمو المهني.
ورد أديب بأن وجود المراجعة واللوم الذاتي ممكن، لكنه فرّق بين نوعين من الإشكاليات:
– **التقصير المهني**: يتعلق بأداء العمل بالشكل المتوقع، مثل فوات سؤال كان يجب طرحه.
– **التقصير الأخلاقي**: يرتبط بجوهر النزاهة، مثل التلاعب أو التحايل أو تعمد التضليل.
وأكد أديب أن ما قد يحدث لديه هو تقصير مهني، وليس تقصيرًا أخلاقيًا، موضحًا أن فوات السؤال أحيانًا يكون نتيجة ظروف: الزمن لا يسمح، أو الحوار يأخذ مسارًا آخر، أو تظهر نقطة أكثر إثارة وتغري الصحفي لتجاوز «السؤال الأساسي».
كما أشار إلى أن المسؤول عن الموضوع غالبًا يكون حاضرًا في المقابلة أو الحديث، وبالتالي فإن غياب السؤال الجوهري يعني أن الصحفي لم يُتم وظيفته المهنية كاملة. واعتبر أديب ذلك سببًا للمساءلة الذاتية، لأن دوره لا يقتصر على إجراء الحديث بل على اقتناص النقاط التي تكشف الحقيقة وتمنح الجمهور إجابات واضحة.
# خلاصة الحوار
يعكس هذا اللقاء تصورًا متماسكًا لدى عماد الدين أديب عن المهنة: الصحافة ليست مجرد نقل للوقائع، بل بحث موضوعي عن الحقيقة، مع الإقرار بأن الإنسان قد يقصر مهنيًا في تفاصيل التنفيذ. ومع ذلك، يحافظ على خط فاصل واضح: يمكن مراجعة الذات والاعتراف بالهفوات، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى تراجع عن الأخلاقيات أو إلى قبول بالتضليل.
وفي النهاية، يظل معيار أديب الأساسي هو التقاط «السؤال الصحيح» في اللحظة المناسبة، لأن ذلك—برأيه—هو ما يجعل الصحافة أقرب إلى الحقيقة لا مجرد حوار أو مادة إعلامية، حتى عندما تفرض الظروف حدودًا لا يمكن تجاهلها.

التعليقات