في حلقة من بودكاست «موعد مع لميس» الذي تقدمه الإعلامية لميس الحديدي، تحدث الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عماد الدين أديب عن أسئلة ظلّت عالقة في ذاكرته منذ فترة، وعن الكواليس التي تقف خلف إجراء حواراته مع شخصيات إسرائيلية، وعلى رأسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
بدأت لميس الحديدي بسؤال مباشر يحمل جانبًا عاطفيًا وتاريخيًا: قبل الدخول في ملفات الإقليم، هل يوجد سؤال كان فاته خلال أحد الحوارات، يظل يلوم نفسه على عدم توجيهه لأي طرف حتى اليوم؟ ورد عماد الدين أديب بأن سؤاله الأقرب لذهنه ارتبط بنتنياهو تحديدًا، حيث قال إن هناك سؤالًا ظل يبحث عن جواب داخلي لدى الجمهور: «لماذا تعشق أو هل تعشق الدماء؟» في إشارة إلى فكرة القتل وقتل النفس البشرية، وكيف يمكن لمن يشارك في قرارات العنف أن ينام وهو يعلم أن على يده دماء.
وأضاف أديب أن الأمر لا يقتصر على الادعاءات المرتبطة بالحروب أو أخطائها، مشددًا على أن الحديث في بعض الحالات يكون عن قتل مدنيين، بما يتجاوز “خطأ الحرب” إلى جريمة حرب. وذكّر كذلك بأن مفهوم ما يُسمى بالـ“Friendly Fire” لا ينفي وجود مسؤولية أو مساءلة، خصوصًا عندما تتكرر الوقائع وتتحول إلى نمط.
ثم انتقلت لميس إلى محور أكثر جدلًا: بما أن أديب يعرّف نفسه كمناصر للقضية الفلسطينية، فلماذا أجرى حوارًا مع نتنياهو تحديدًا؟ ولماذا تُعد حواراته مع الإسرائيليين—وخاصة نتنياهو—من أكثر الملفات إثارة للانقسام حوله؟
هنا قدّم عماد الدين أديب تفسيرًا يقوم على منطق “اختيار الخيارات الثلاثة” التي يراها محكومة بالعلاقة مع إسرائيل: إمّا أن تكون إسرائيل عدوًا، أو أن يكون خيار سلام ومعاهدة، أو أن يستمر الواقع على حالة “لا سلم ولا حرب”. ورأى أن أي تعامل مع أي من هذه المسارات يتطلب شرطًا أساسيًا، وهو الفهم العميق لطبيعة المجتمع الإسرائيلي وتركيبته.
وأوضح أديب أن فهم الداخل الإسرائيلي ليس مهمة سهلة، وأنه يرفض فكرة الاكتفاء بمادة مكتوبة أو منشورات من مراكز دراسات تقسم المعلومات إلى “مركز دراسات فلسطيني” و“مركز دراسات إسرائيلي” و“مركز دراسات الصراع” اعتمادًا على الورق فقط. وشدد أن المعرفة الحقيقية—في رأيه—تبدأ حين ينزل الشخص على الأرض ويشاهد الواقع بعينيه، ويعاين طبيعة المجتمع والنظام الداخلي.
وفي إطار “الفهم المباشر”، أشار أديب إلى تفاصيل يعتقد أنها تكشف بنية الاستيطان وآلياته، من خلال مشاهدة المستوطنات فعلًا: ما الذي يجري داخلها، كيف تُدار الحياة اليومية، وما علاقة الأرض بالمشاريع الزراعية، وكيف تُترجم السياسات على الأرض في شكل بنية اقتصادية وتشريعية.
كما تحدث عن زيارة المسجد الأقصى، معتبرًا أن تجربة المكان وما يرافقه من إجراءات “تفتيش ولجان” وإجراءات حماية، تعكس حجم التوتر والتحكم في حياة الناس. وقال إن المسجد يواجه واقعًا معقدًا من الرقابة والتضييق، وأن هناك من يسميهم «مرابطين» يعملون على “ثلاث شيفتات” في اليوم لحمايته—وفق وصفه—وهو ما يربط في نظره بين الحضور الديني والسياسي من جهة وبين تأثيره على الفلسطينيين والمدينة من جهة أخرى.
ولتعزيز حجته حول ضرورة فهم التجربة من الداخل، استرجع أديب موقفًا تاريخيًا شديد الدلالة: أنه زار رام الله والتقى ياسر عرفات وشكّل حوارًا مباشرًا في لحظة حصار، حيث قال إنه كان الصحفي الوحيد—بحسب روايته—الذي تمكن من الدخول إلى المقاطعة خلال حصار الرئيس الشهيد ياسر عرفات، وأجرى الحوار لساعتين ونصف، وتم بثه على الهواء، مؤكدًا أن الحوار أظهر صوت وصورة ياسر عرفات قبل وفاته بشهر.
تضع هذه الرواية النقاش في دائرة أوسع من مجرد “هل حوار أم لا”، لتتحول إلى سؤال عن حدود المعرفة ودور الصحافة في تفكيك الواقع: هل يكتفي الإعلام بنقل المواقف الجاهزة، أم يحاول فهم الطرف الآخر دون تبرير أفعاله؟ وبين منطق “اختيار أحد الاحتمالات الثلاثة” وبين الدعوة للفهم المباشر، يحاول عماد الدين أديب تقديم إطار لتفسير قراراته المهنية، مع الإصرار على أن الفهم لا يعني التنازل، وأن القضية الفلسطينية بالنسبة له تظل مركز الموقف والضمير.
ومع استمرار الجدل حول حواراته مع شخصيات إسرائيلية، يظل ما طرحه في الحلقة دعوة إلى نقاش أشمل: كيف تُبنى الرؤية السياسية على قراءة متكاملة للواقع، لا على سردية واحدة، وكيف يمكن للصحافة—في أفضل صورها—أن تجمع بين الأسئلة الأخلاقية الصارمة وفهم تعقيد الخصم دون الوقوع في التطبيع المعرفي أو التبرير.

التعليقات