التخطي إلى المحتوى

قال منير أديب، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، إن محاولات وساطة جرت بهدف منع قيادات جماعة الإخوان من الوصول إلى ما انتهت إليه الأحداث في رابعة. وأوضح أديب، في مداخلة هاتفية ضمن برنامج «اليوم» المذاع عبر قناة DMC، أن هذه الوساطات لم تكن محصورة في فئة واحدة، بل شارك فيها أطراف متعددة، من بينها قيادات دينية محسوبة على التيار السلفي، إضافة إلى شخصيات أخرى تُرى على أنها ذات حضور مؤثر من الزاوية السياسية.

وأضاف الباحث أن رصده لتصريحات الوسطاء، بحسب تقديره، دفعه للاعتقاد بأن الجماعة لم تكن تسعى لاحتواء الأزمة، بل كانت تريد حدوث التطورات بالفعل، وذلك بهدف تقديم نفسها أمام الرأي العام بصورة الضحايا. ووفق هذا التصور، كان الهدف هو صناعة «مظلومية» جديدة يمكن البناء عليها إعلاميًا وخطابيًا داخل أوساط أنصار الجماعة، بما يعزز سردية «الاضطهاد» ويمنحها مبررات أخلاقية وسياسية.

وتابع أديب أن الجماعة تمكنت، من وجهة نظره، من تحويل الاعتصام الذي وصفه بأنه غير شرعي وغير قانوني إلى مظلومية وظّفتها في خطابها أمام أتباعها. وأشار إلى أن قيادات الجماعة كانت ترى أن مشروعها السياسي قد فشل، ولذلك بحثت عن طريقة لتبرير هذا الفشل. وفي هذا الإطار، يصبح توجيه الاتهام للجهات الأمنية أو للدولة، وتحويل الصدام إلى قصة «بطولة الضحايا»، وسيلة لإعادة ضبط المزاج الداخلي للجماعة وتخفيف أثر النتائج السياسية على قواعدها.

كما أوضح أن الدخول في مواجهة شديدة مع الدولة—بحسب تقديره—يمكن أن يُنتج ضحايا، ثم تُستخدم صور هؤلاء الضحايا لاحقًا في مخاطبة الأتباع وإقناعهم بأن إخفاق الجماعة لم يكن نتيجة فشل المشروع السياسي نفسه، بل بسبب ما تصفه الجماعة بـ«المصادمات الأمنية». وبهذا المعنى، يتحول الحدث من كونه خروجًا على القانون إلى أداة تعبئة عاطفية وسياسية.

ولتعميق الفكرة، يرى أديب أن ما يميز مثل هذه التحولات هو مزج عناصر عدة في رسالة واحدة: أولًا، الخطاب الديني الذي يمنح القصة شرعية داخلية؛ ثانيًا، الدعاية الإعلامية التي تُبرز رواية الضحية؛ ثالثًا، التنظيم والتعبئة التي تحافظ على استمرار الحشد حتى بعد تغير الموازين. ومع الوقت، تُعاد صياغة الوقائع لتتوافق مع الهدف، فتبدو الأحداث وكأنها «قدر مفروض» أو «مواجهة حتمية»، لا قرارًا سياسيًا أو خيارًا تصعيديًا اتُّخذ داخل الجماعة.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية لأنها لا تقتصر على لحظة وقوع الأحداث، بل تمتد إلى كيفية إدارة الذاكرة الجماعية لدى الأتباع. فكلما ارتبطت الرواية بصور ومعانٍ دينية وعاطفية، زادت قدرة القيادات على التأثير في قناعة الأفراد وتوجيه قراءتهم للمستقبل، خصوصًا عند الحديث عن الأدوار السياسية التي فشلت أو لم تحقق النتائج المرجوة.

وفي النهاية، أكد منير أديب أن الصورة العامة التي كوّنها من خلال متابعة التصريحات والوقائع يقوده إلى ترجيح أن الجماعة كانت تعمل على تحويل مسار الأزمة نحو إنتاج «مظلومية» قابلة للاستخدام، لا نحو حل سياسي أو احتواء حقيقي للأزمة، وهو ما جعل الاعتصام يتحول—وفق هذا الرصد—من حدث قانوني إلى سردية تعبئة داخلية وخارجية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *