أكد عمرو موسى، وزير الخارجية الأسبق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، أن استمرار العمل بسياسة عدم الانحياز على مدار عقود وحتى الآن لا يعني تحويلها إلى قاعدة جامدة غير قابلة للمراجعة. وأوضح أن أي سياسة خارجية يجب أن تظل خاضعة للتقييم المستمر بما يتلاءم مع تغير الظروف الإقليمية والدولية، وتطور المصالح الوطنية، واعتبارات الأمن القومي.
وخلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي محمد علي خير في برنامج «المصري أفندي» المذاع عبر قناة «الشمس»، شدد موسى على أن إعادة النظر في موقف مصر من الأحلاف العسكرية أمر ممكن من حيث المبدأ. وأكد أن ذلك قد يشمل بحث الانضمام إلى ترتيبات جديدة أو تعديل بعض قواعد السياسة الخارجية القائمة، على أن يتأسس القرار على حسابات دقيقة وواقعية للمصلحة الوطنية لا على ردود فعل آنية.
ولفت إلى ضرورة تقييم أي تحالف عسكري وفق طبيعة الالتزامات التي قد تترتب على مصر، ومدى تأثير هذه الالتزامات في حرية القرار السياسي والقدرة على إدارة الملفات الإقليمية. كما دعا إلى تحديد مصادر التهديدات التي تستهدف الدولة، والعدو المحتمل، والأولويات الأمنية التي ينبغي التعامل معها، قبل اتخاذ قرار يتعلق بالدخول في أي ترتيبات عسكرية جديدة.
وشدد وزير الخارجية الأسبق على أن ما قد يكون مناسبًا لمصر خلال فترة الحرب الباردة لم يعد بالضرورة ملائمًا للمرحلة الراهنة، لأن التوازنات الدولية وطبيعة التهديدات تغيرت. فالعالم اليوم يشهد تحولات في مراكز القوة، وتزايدًا في التحديات العابرة للحدود، مثل الإرهاب، وانتشار النزاعات، وتنامي المخاطر السيبرانية، إضافة إلى تقلبات أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
وأضاف أن مراجعة السياسة الخارجية لا تعني التخلي عن الثوابت الوطنية، بل تعكس قدرة الدولة على تقدير مصالحها وإعادة تنظيم خياراتها وفق تحديات جديدة. وفي هذا السياق، شدد على أن المرونة ضرورة استراتيجية، لكن تغيير الموقف من الأحلاف يجب أن يمر عبر دراسة مؤسسية عميقة، تأخذ في الاعتبار العوائد والمخاطر وتقدير التكلفة والالتزامات الزمنية.
كما أشار موسى إلى أهمية أن تقوم عملية اتخاذ القرار على منهجية واضحة تشمل: تقييم الأهداف الاستراتيجية المراد تحقيقها، تحليل أثر أي تحالف على الأمن الإقليمي، دراسة انعكاساته على العلاقات مع الأطراف المختلفة، ومراجعة مدى انسجامه مع التوجه العام للدولة. وأكد أن القرار السياسي يجب أن يستند إلى معايير المصلحة الوطنية ودراسة المخاطر، وليس إلى مجرد تغيّر الظروف أو الضغط السياسي.
وبذلك، قدّم موسى رؤية تؤكد أن سياسة عدم الانحياز والسياسات المرتبطة بالأمن القومي ليست خطًا سياسيًا مغلقًا، وإنما أدوات يمكن مراجعتها وتطويرها باستمرار، بما يضمن تحقيق مصالح مصر وحماية أمنها في بيئة دولية متغيرة.

التعليقات