التخطي إلى المحتوى

كشف عمرو موسى، وزير الخارجية الأسبق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، أن الموقف المصري الرافض للانضمام إلى الأحلاف العسكرية لم يبدأ في لحظة واحدة، بل يعود بجذوره إلى ما قبل ثورة يوليو. وأوضح موسى أن هذا التوجه كان حاضرًا بالفعل في السنوات الأخيرة من العهد الملكي، ثم اتخذ إطارًا أوضح وتكوّن تدريجيًا ليظهر لاحقًا كسياسة عدم انحياز في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

وأشار موسى، في مداخلة هاتفية مع الإعلامي محمد علي خير ببرنامج «المصري أفندي» على قناة «الشمس»، إلى أن مصر اتخذت منذ عام 1951 مواقف متسقة تجاه التحالفات العسكرية. ومن أبرز هذه المواقف رفض الانضمام إلى قوات شاركت في الحرب الكورية، إلى جانب الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن بشأن تلك الحرب. واعتبر موسى أن هذه الخطوات تعكس رغبة مبكرة في تجنب الانخراط في صراعات دولية تتصل بتوازنات القوى بين المعسكرات.

ولفت إلى أن ملامح هذا النهج اتضحت أكثر مع رفض الحكومة الوفدية الأخيرة الانضمام إلى حلف بغداد، المعروف أيضًا باسم «الحلف المركزي»، والذي كان مقره العاصمة العراقية. وفسر موسى هذا الرفض بوصفه مرحلة مفصلية، لأن رفض الالتحاق بحلف عسكري تقوده ترتيبات خارجية يمثل بداية عملية لسياسات لاحقة أكثر شمولًا، تتمثل في الحياد ورفض الأحلاف التي تُنتج التزامات سياسية وعسكرية لا تتوافق مع حسابات الدولة الوطنية.

وتابع أن مبادئ هذا التوجه ظهرت خلال عامي 1950 و1951، قبل أن يقوم جمال عبد الناصر—بحسب موسى—بتطويرها وتحويلها إلى سياسة متكاملة لعدم الانحياز. وأضاف أن السياسة الجديدة لم تكن مجرد شعار، بل إطارًا سياسيا يستند إلى مبدأ عدم الدخول في معسكرات دولية أو أحلاف لا تخدم المصالح المصرية وتؤثر في حرية القرار الوطني.

وأكد موسى أن عدم الانحياز لا يعني الانعزال عن العالم أو القطيعة مع القوى الدولية، بل يعني حماية الاستقلال السياسي وتجنب الارتباط بتحالفات تفرض التزامات تتعارض مع رؤية الدولة واحتياجاتها. كما أشار إلى أن القاهرة لم تكتفِ برفض الانضمام للأحلاف، بل تبنت أيضًا موقفًا رافضًا لوجود إسرائيل داخل أطر حركات العالم الثالث، معتبرًا أن ذلك يتقاطع مع توجهات رفض الهيمنة وتأكيد حق الشعوب في تقرير مصيرها.

وبالاستناد إلى هذا السرد، يمكن القول إن رفض مصر للأحلاف العسكرية تطور تاريخيًا من مواقف براغماتية مبكرة إلى نهج سياسي منهجي؛ إذ سعت القاهرة إلى تقليل تبعات الصراعات الدولية عليها، وتحقيق قدر أكبر من المرونة في إدارة سياستها الخارجية. وتبرز أهمية هذا المسار في أنه أسهم في بناء تصور مصري قائم على استقلال القرار، وموازنة العلاقات الدولية، وعدم السماح بأن تتحول المنطقة إلى ساحة لتنافس المعسكرات الكبرى على حساب المصالح العربية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *