أكد منير أديب، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، أن التنظيمات المتطرفة تتجه بشكل متزايد إلى الفضاء الإلكتروني بوصفه بيئة خصبة لنشر أفكارها والتواصل مع عناصرها واستقطاب أعضاء جدد. وفي ظل تسارع التحول الرقمي، لم تعد هذه التنظيمات تعتمد فقط على وسائل الإعلام التقليدية، بل أصبحت تبني منظومات رقمية متكاملة لإدارة نشاطها والتأثير في الجمهور.
وأشار أديب خلال حديثه في برنامج “كلمة أخيرة” عبر فضائية “أون” إلى أن التنظيمات المتطرفة انتقلت من أساليب التأثير القديمة إلى استخدام الإنترنت والمنصات الرقمية، مع تزايد الاعتماد على التطبيقات المشفرة التي تساعدها على تقليل فرص اكتشاف رسائلها، وإخفاء هوية العناصر الفاعلة داخل الشبكات الإلكترونية. كما لفت إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن أنشطة الدعاية والتواصل، بما قد يشمل تسريع إنتاج المحتوى، وتحسين استهداف فئات محددة، ورفع كفاءة عمليات التواصل عبر قنوات متعددة.
وأوضح أديب أن هذه التطورات لا تظهر في جانب واحد فقط، بل تترافق مع تنظيم العمل داخل ما يشبه “إدارات” إلكترونية. فهناك لجان إلكترونية تعمل بشكل متدرج ومنسق، وتضم متخصصين في مجالات مختلفة، بهدف إدارة المحتوى وتنويع أساليب نشره على المنصات الرقمية، وتوجيهه بما يخدم أهداف التنظيمات، سواء من خلال حملات دعائية أو تواصل مباشر ومحاولات اختراق للبيئات الرقمية المؤثرة.
كما أشار إلى أن مواجهة هذا النشاط تتطلب متابعة مستمرة للتطورات التقنية، لأن أساليب التنظيمات لا تتوقف عند استخدام منصة بعينها أو تقنية واحدة. فكلما تم تضييق الخناق على قناة أو حساب، قد تنتقل التنظيمات إلى قنوات أخرى أو تطور أساليبها لضمان استمرار الوصول إلى الجمهور. لذلك فإن التتبع الرقمي المستمر وتحليل أنماط المحتوى والتواصل، إضافة إلى تعزيز قدرات فرق الرصد، تعد عناصر أساسية لمواجهة خطر التطرف الرقمي.
ولتعزيز فعالية المواجهة، يصبح من الضروري أيضًا تطوير آليات للكشف المبكر عن المحتوى المتطرف، وتحسين التعاون بين الجهات المختصة ومنصات التواصل، واعتماد إجراءات تستهدف سلسلة النشاط كاملة: من إنتاج المحتوى إلى نشره والتفاعل معه ثم إعادة توجيهه. كذلك فإن رفع الوعي لدى الجمهور—خصوصًا الفئات الأكثر عرضة لمحاولات الاستقطاب—يساعد على تقليل فرص نجاح حملات التجنيد الإلكتروني، عبر تعليم المستخدمين كيفية التحقق من المعلومات، وعدم الانجراف وراء دعاية مُحكمة يتم تقديمها أحيانًا بصيغ تبدو أقرب للخطاب الدعائي أو الاجتماعي.
في المحصلة، يؤكد منير أديب أن الفضاء الإلكتروني بات ساحة رئيسية لنشاط التنظيمات المتطرفة، وأن تطور أدواتها التقنية—من التشفير إلى توظيف الذكاء الاصطناعي—يستدعي استجابة متطورة بنفس القدر، قائمة على الرصد المستمر، وتحليل البيانات، وتحديث السياسات التقنية والأمنية باستمرار.

التعليقات