أكد الدكتور بشير عبد الفتاح، الكاتب والباحث السياسي، أن اندلاع الحروب لا يكون بالضرورة بحثًا عن الحرب لذاتها، بل غالبًا ما يبدأ كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية محددة. غير أن الخطأ في تقدير النتائج والتداعيات، إضافة إلى سوء قراءة موازين القوى والاستجابات المتوقعة للخصوم، قد يدفع الصراعات بسرعة إلى مسارات مفتوحة يصعب معها الوصول إلى حسم عسكري أو تسوية سياسية.
وأوضح عبد الفتاح أن كثيرًا من الصراعات التي يشهدها العالم اليوم تحمل في جوهرها مؤشرًا على أخطاء في الحسابات؛ فحتى مع امتلاك أطراف النزاع قدرات عسكرية كبيرة ووسائل تدمير واسعة، فإن مسار الحرب لا يسير دائمًا وفق تصورات صانعي القرار. فالحرب بطبيعتها تتأثر بعوامل متشابكة، منها توازن المصالح، وقرارات النخب السياسية، وحركة الجبهات، وردود الفعل الداخلية والخارجية، وهو ما يجعل نتيجة أي عملية عسكرية رهينة بمنظومة أوسع من مجرد القوة.
وبيّن أن الحرب قد تبدأ بهدف محدود، مثل تغيير واقع سياسي، أو فرض شروط تفاوضية، أو تحقيق مكسب استراتيجي محدد. لكن سرعان ما قد تتبدل الأهداف إذا تحولت المواجهة إلى دوامة تصعيد؛ إذ قد يؤدي تدخل عوامل غير محسوبة—كتقدير خاطئ لردود الفعل، أو صعوبات ميدانية لم تُراعَ، أو تقدير غير دقيق لزمن الحسم—إلى تمدد النزاع بما يفوق ما كان متوقعًا.
كما أشار عبد الفتاح إلى أن توسع نطاق المواجهات يمثل عاملًا حاسمًا في إطالة أمد الحرب. فحين تتشعب ساحات القتال أو تُفتح جبهات إضافية، قد تدخل أطراف جديدة على خط الصراع، سواء بدوافع مباشرة أو عبر دعم سياسي وعسكري واقتصادي، وهو ما يرفع مستوى التعقيد ويجعل مسار التسوية أكثر صعوبة. ومع تعدد الأطراف وتباين الأجندات يصبح الوصول إلى توافق واضح أكثر تعقيدًا، لأن كل طرف يسعى لقراءة الحرب بما يخدم أهدافه، لا بما يناسب نهاية النزاع وفق تصور واحد.
وأكد أن امتلاك القوة العسكرية لا يمنح وحده القدرة على إنهاء الحرب في الوقت المرغوب. فنتائج الصراعات مرتبطة أيضًا بقدرة الأطراف على ترجمة القوة إلى مكاسب سياسية قابلة للتفاوض والتنفيذ. وقد تتسبب قرارات عسكرية غير محسوبة أو تقييمات خاطئة للقدرة على السيطرة والاحتواء في نتائج عكسية؛ مثل زيادة مقاومة الخصم، أو اتساع نطاق الخسائر، أو تعميق الانقسام الداخلي، أو تحفيز تحالفات جديدة، فتتحول المواجهة تدريجيًا من صراع محدد إلى حرب مفتوحة تبحث فيها الأطراف عن مخرج سياسي بعد أن يصبح الحسم العسكري أكثر تعقيدًا.
وأضاف أن أحد أخطر مصادر سوء التقدير يتمثل في افتراض أن الخصوم سيستجيبون بالطريقة نفسها المتوقعة، أو أن الزمن يعمل لمصلحة الطرف الأقوى. في الواقع، قد يؤدي تغير الظروف الميدانية واشتداد الضغط الاقتصادي وتبدل المزاج السياسي لدى الداخل والخارج إلى تغيير مسار الحرب بشكل مفاجئ. لذلك، فإن إدارة الصراع تتطلب قراءة دقيقة للمآلات، وفهمًا عميقًا لحدود القوة، واحتساب تكلفة التصعيد على المدى القصير والمتوسط.
واختتم عبد الفتاح بالتحذير من أن الأخطاء في تقدير تداعيات القرارات العسكرية قد تدفع الجميع إلى دائرة تصعيد يصعب الخروج منها، خصوصًا عندما تتداخل الحسابات الخاطئة مع مصالح متعارضة بين الأطراف المتحاربة أو مع تدخلات خارجية تجعل خيارات التسوية أكثر ضيقًا. وفي هذه الحالة لا يصبح سؤال “من يحقق الحسم؟” هو المسيطر، بل يصبح سؤال “كيف تُبنى تسوية سياسية قابلة للحياة بعد تعقد المشهد؟”.

التعليقات