تُظهر التجارب التي شهدتها الحروب والصراعات خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية والمواجهة التي أخذت تتوسع بين الولايات المتحدة وإيران، أن قرار الحرب لا يُقاس بما يعلنه طرفا الصراع من أهداف مباشرة فقط، بل بما ينتج عن سوء التقدير وتراكم التداعيات غير المتوقعة. فالصراع قد يبدأ بنوايا محددة أو بخطوات محسوبة، لكنه مع الوقت قد يتسع ليصبح مسارًا مفتوحًا تُدار نتائجه وفق ردود فعل الخصوم وتفاعلات أطراف أخرى، بما يخلق أزمات أطول وأكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور بشير عبد الفتاح، الكاتب والباحث السياسي، أن خطورة الحسابات الخاطئة تتمثل في أن الحرب قد تتحول من مواجهة محدودة تستهدف هدفًا محددًا إلى صراع يمتد خارج الحدود الجغرافية والسياسية الأولى. وقد يؤدي هذا التوسع إلى دخول ساحات جديدة، وإشراك لاعبين إضافيين، وتزايد مستويات المخاطر، بدلًا من تحقيق النتائج المرجوة التي كانت سببًا في بدء التصعيد.
الحرب تتجاوز ساحات المواجهة المباشرة
وأشار عبد الفتاح إلى أن نمط الصراعات الحديثة لم يعد يقتصر على الاشتباكات العسكرية المباشرة بين طرفين فقط، بل صار يشمل منافذ متعددة للتأثير. ففي حالة المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدأت في إطار مرتبط بسيناريوهات محددة، إلا أنها شهدت توسعًا ملحوظًا مع دخول أطراف جديدة وامتداد تأثيراتها إلى مساحات أوسع. وهذا التحول غالبًا ما يعيد تشكيل حسابات الجميع، لأن كل خطوة تصعيدية تخلق مساحة لخطوات مقابلة قد تفوق توقعات صانع القرار.
المناطق والممرات الاستراتيجية: قلب التوسع
ومن أبرز ما يميز توسع نطاق الأزمة في مثل هذه الصراعات هو انتقال التأثير من ساحات القتال التقليدية إلى مناطق وممرات استراتيجية تؤثر في الأمن الإقليمي والاقتصاد الدولي. وتحديدًا، تبرز المضائق والموانئ والممرات البحرية بوصفها نقاطًا حساسة لأي اضطراب، وكذلك خطوط نقل الطاقة التي ترتبط بحركة التجارة العالمية وبتكلفة الإنتاج والاستيراد في كثير من الدول.
كما أن استهداف أو حتى تهديد هذه المسارات يرفع احتمالات التوتر ويولد تأثيرات متسلسلة: فحين تتعطل طرق الشحن أو ترتفع مخاطر الملاحة، تتغير المسارات البديلة وتزداد الكلفة، ما ينعكس على أسعار السلع والطاقة، ويزيد الضغوط السياسية على الحكومات، ويدفع بعض الفاعلين إلى اتخاذ مواقف أكثر حدة. وبذلك تتسع الأزمة عمليًا حتى لو لم تتسع المواجهات العسكرية المباشرة بنفس الوتيرة.
تحذير من اتساع رقعة الصراع إلى مستويات يصعب احتواؤها
وبحسب عبد الفتاح، فإن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة حول خطورة التقديرات الخاطئة للحروب تأتي لتأكيد حقيقة أن أي قرار بالدخول في مواجهة عسكرية يجب أن يسبق بدقة كبيرة في حساب النتائج. فحين تكون التقديرات ضعيفة أو ناقصة، تصبح المواجهة قابلة للتحول إلى مسارات لم تكن محسوبة عند بدايتها.
ويلفت الباحث السياسي إلى أن دخول أطراف إضافية وتشعب ساحات المواجهة يؤديان إلى تعقيد المشهد وإطالة أمد الحرب، ويقللان من فرص التوصل إلى تسوية سياسية سريعة. كما أن تعدد الملفات المرتبطة بالصراع—سواء العسكرية أو الاقتصادية أو الإقليمية—يخلق شبكة من المصالح والالتزامات يصعب على أي طرف تفكيكها بسرعة.
كيف تُقاس نتائج الحروب في الواقع؟
وأكد عبد الفتاح أن الحروب لا تُقاس فقط بحجم القوة العسكرية المستخدمة أو سرعة العمليات، بل بقدرة الأطراف على توقع تداعيات ما بعد الضربة الأولى: كيف سيستجيب الخصم؟ وما شكل التحالفات المحتملة؟ وهل ستتحول المشكلة إلى أزمة إقليمية ودولية؟
وفي ظل هذه المعادلة، فإن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى كسر السيطرة التدريجية على مسار الأحداث، ما قد يجعل المواجهة المحدودة تبدأ في التأثير على دول ومحاور بعيدة، وتتحول إلى أزمة أوسع يصعب احتواؤها أو إيقافها دون تسويات متعددة المستويات.
وبناءً على ذلك، يبرز درس الصراعات الأخيرة في أن إدارة المخاطر قبل الحرب وبعدها هي عنصر حاسم. فكلما ارتفعت جودة التقدير ودقة قراءة ردود الفعل والتوازنات في الإقليم والعالم، تقل احتمالات انفلات المواجهة. أما حين تُترك حسابات الحرب للمفاجآت أو الرغبة في تحقيق مكاسب سريعة، فإن الصراع—بحسب طبيعة الحروب الحديثة—يميل إلى الاتساع عبر الممرات الاستراتيجية والفضاءات الأوسع، لتصبح الأزمة أشد كلفة وأكثر تعقيدًا على الجميع.

التعليقات