تؤكد الدكتورة إيمان أبو العلا، أخصائي التربية وتعديل السلوك، أن تغيير السلوكيات السلبية لدى الأبناء أو الأزواج لا يتحقق عبر الأوامر المباشرة أو كثرة الوعظ والنصائح، لأن الإنسان يتأثر أكثر بما يراه ويعيشه يوميًا داخل الأسرة. ويُشار إلى هذا التأثير باسم العدوى السلوكية؛ حيث تنتقل العادات والأنماط من خلال الملاحظة والتكرار، فتترسخ دون أن يشعر الفرد أنها بدأت من سلوك الآخرين.
وتوضح أبو العلا أن الطفل لا يعتمد على التوجيهات وحدها، بل يكتسب الكثير من عاداته من السلوك اليومي الذي يلاحظه أمامه. فمثلًا، إذا التزم الأب أو الأم بعادات صحيحة مثل عدم استخدام الهاتف المحمول مباشرة بعد الاستيقاظ، فإن الطفل يميل إلى تقليد هذا النمط تدريجيًا، خصوصًا إذا كان موجودًا يوميًا ومن دون تناقضات. هنا تصبح القدوة أشبه بنظام تربوي غير معلن، يختصر على الأسرة صراعًا مستمرًا ويقلل فرص الخلاف.
وتشمل فكرة تعديل السلوك العلاقة الزوجية أيضًا. فالكثير من العادات والسلوكيات داخل البيت تنشأ من الاعتياد على طريقة محددة للتعامل: طريقة الكلام، إدارة الخلاف، توزيع الوقت، وحتى أسلوب الراحة والعناية بالبيت. من الطبيعي أن يختلف الأشخاص في الطباع والاحتياجات، وقد تنشأ الخلافات عند سوء إدارة الاختلاف، لكنها قد تتحول إلى عامل تكامل إذا وُجدت مرونة وتواصل صحي. لذلك، ليس الهدف إلغاء الاختلاف، بل تنظيمه ضمن سلوكيات إيجابية.
وتُبرز الدكتورة أن نقطة البداية الحاسمة هي أن يدرك الشخص أن هناك سلوكًا سلبيًا بحاجة إلى تغيير. ويحدث هذا الإدراك غالبًا عبر شخص قريب يثق به الفرد، ويستطيع أن يلفت انتباهه بطريقة لا تُشعره بالاتهام أو الإحراج. لذلك يُنصح بأن تكون “الملاحظة الأولى” من شخص موثوق، قبل اللجوء إلى المتخصصين؛ إذ إن الثقة تجعل النصيحة أكثر تقبلًا. أما المختص، فيحتاج أحيانًا إلى وقت لبناء علاقة مبنية على الأمان والفهم حتى تصبح التوصيات قابلة للتطبيق.
وبالإضافة إلى القدوة وبناء الثقة، يمكن للأسرة اعتماد خطوات عملية تساعد على تغيير السلوك دون تصعيد أو تراكم مشاعر سلبية، مثل:
- تحديد السلوك المطلوب تغييره بدقة: بدلًا من عبارات عامة مثل “توقف عن السوء”، يتم وصف السلوك بشكل واضح (مثل: مقاطعة الحديث، رفع الصوت، إهمال الواجب، الإفراط في استخدام الهاتف).
- استخدام أسلوب “الطلب بدل اللوم”: التركيز على ما نحتاجه بدلًا من محاسبة الشخص، مثل: “أحتاج أن نتحدث بهدوء عندما نختلف”.
- الاتفاق على سلوك بديل واقعي: لا يكفي إيقاف السلوك السلبي؛ يجب وجود بديل واضح يمكن تكراره (روتين صباحي، وقت محدد للموبايل، طريقة محددة للمناقشة).
- تعزيز التقدم لا الكمال: مكافأة المحاولات الصغيرة ترفع الدافعية وتقلل مقاومة التغيير.
- تجنب التعميمات: الابتعاد عن جمل مثل “أنت دائمًا…” لأنها تزيد الدفاعية وتغلق باب الحوار.
وفي النهاية، يظل التغيير عملية نفسية وسلوكية تحتاج وقتًا واتساقًا. عندما تتحول الأسرة إلى بيئة تُقدّم القدوة وتدعم التواصل وتمنح الفرد شعورًا بالأمان، يصبح تعديل السلوك أقل توترًا وأكثر نجاحًا. القدوة، والاعتراف المبكر بالمشكلة، وبناء الثقة قبل التصعيد—هي معادلة تقلل الخلافات وتُسرّع الوصول إلى سلوكيات أفضل لدى الأبناء والأزواج.

التعليقات