التخطي إلى المحتوى

قال الدكتور محيي حافظ، وكيل غرفة صناعة الدواء باتحاد الصناعات، إن سياسات التمويل التي كانت تتبعها البنوك خلال فترات سابقة اعتمدت بدرجة كبيرة على اشتراط امتلاك المستثمر للأراضي والمباني، مع التركيز على سلامة الأصول وقبول الرهون التجارية للمعدات والآلات، إلا أن ذلك لم يكن دائمًا متسقًا مع طبيعة عمل المشروعات الصناعية. وأوضح أن كثيرًا من المستثمرين كانوا يواجهون رفضًا لفكرة الرهن العقاري، بينما كانت البنوك تميل إلى الاطمئنان لوجود أصول مملوكة بالكامل لدى المقترض.

وأضاف خلال حديثه مع الإعلامية ندى رضا في برنامج «ستوديو إكسترا» عبر قناة إكسترا نيوز، أن هذا النهج يُعد «خطأ تمويليًا جسيمًا»، لأن الضمانة الحقيقية لأي مشروع لا ترتبط بالأصول وحدها، بل بقدرته على توليد التدفقات النقدية المستمرة التي تمكنه من سداد الالتزامات والاستمرار في الاستثمار. فجوهر التمويل الصناعي يتمثل في قدرة المنشأة على تحقيق إيرادات تشغيلية منتظمة مع هامش ربح معقول، وليس في مجرد امتلاك أصول ثابتة.

وأشار حافظ إلى أن منظومة التمويل في مصر تتضمن اشتراطات وضمانات متعددة، لافتًا إلى أن البنوك لا تكتفي عادة بضمان أو ضمانين، بل قد تصل إلى طلب 5 أو 6 ضمانات إضافية للحصول على التمويل. وتابع أن ممارسات كانت تُعد ملغاة في السابق، مثل الاعتماد على «الشيكات» كأداة ضمان، عادت إلى الواجهة مجددًا في بعض الحالات.

وفي استعراضه لتجارب سابقة، أوضح أن الفترة من 1995 حتى 2007/2008 وحتى 2010 اتسمت بمرونة أكبر نسبيًا، إذ كانت تقييمات التمويل ترتكز أساسًا على دراسة الجدوى وقدرة المشروع على توليد التدفقات النقدية. وفي تلك المرحلة، اكتفت بعض الجهات التمويلية بالرهن التجاري على المعدات والآلات أو الاعتماد على سندات إذنية، معتبرة أن نجاح المشروع نفسه يمثل الضمان الأساسي لسداد التمويل.

وركّز وكيل غرفة صناعة الدواء باتحاد الصناعات على أثر أسعار الفائدة الحالية على القطاع الصناعي، مشيرًا إلى أن المستويات المرتفعة التي تتجاوز 22% و23% و25% لا تتيح للقطاع الصناعي مساحة للعمل والاستثمار، مؤكدًا أن هذا الوضع «مستحيل» عمليًا بالنسبة للصناعة. ولفت إلى أن مبادرات خفض الفائدة التي أطلقتها الدولة—خصوصًا عقب تعويم عام 2016—كان لها أثر واضح على إنقاذ الصناعة، إذ جرى خفض الفائدة إلى 5% ثم 8%، كما أسهمت مبادرات لاحقة بوجه عام عبر حدود تمويل مدعومة (ومنها مبادرة الـ15%).

وأضاف أن هذه المعدلات كانت أكثر مواءمة لطبيعة النشاط الصناعي، لأن الصناعة بطبيعتها استثمار طويل الأجل. لذلك شدد على أنه لا يمكن تمويل المصانع بقروض قصيرة أو متوسطة الأجل دون مراعاة دورة الإنتاج والعائد. وبيّن أن التمويل طويل الأجل عالميًا يبدأ غالبًا من 10 إلى 20 عامًا، بينما يمتد التمويل متوسط الأجل حتى 5 أو 10 سنوات، في حين أن آجال سداد القروض في مصر غالبًا لا تتجاوز 5 أو 7 سنوات، ويُعد الوصول إلى 10 سنوات أمرًا نادرًا.

كما أوضح حافظ أن الفائدة على القروض الصناعية في عدد من الدول تتراوح بين 1% و2.5%، لأن الصناعة تحتاج لوقت أطول لتحقيق العائد. فوفقًا لرؤيته، فإن أي مشروع صناعي يحتاج عادة إلى ما لا يقل عن 6 أو 7 سنوات للوصول إلى نقطة التعادل، قبل أن يبدأ في تحقيق أرباح تسمح له بسداد القروض وإعادة استثمار العائد لدى صاحب المشروع.

وخلاصة ما ذكره حافظ أن تحسين فرص التمويل لا يقتصر على خفض الفائدة فقط، بل يرتبط كذلك بطرق تقييم المخاطر، بحيث يتم التركيز بشكل أكبر على القدرة التشغيلية للمشروع والتدفقات النقدية المتوقعة، وتقليل الممارسات التي تضيف أعباء ضمانات متعددة قد تعيق وصول الصناعة إلى التمويل اللازم للتوسع والتطوير، بما ينعكس في النهاية على استمرارية الإنتاج ورفع كفاءة الصناعة الدوائية وغيرها من القطاعات الصناعية المرتبطة بها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *