يرى الدكتور بلال شعيب، الخبير الاقتصادي، أن المرحلة المقبلة ستشهد تحديات اقتصادية متشابكة ترتبط باستمرار الصراعات العالمية، وعلى رأسها عودة ضغوط التضخم واشتداد مخاطر الديون، مع احتمال تراجع معدلات النمو في الأسواق الناشئة.
أولاً، يوضح شعيب أن استمرار الحرب يعني عمليًا استمرار عوامل عدم الاستقرار التي تغذي ارتفاع الأسعار، ما قد يدفع معدلات التضخم للعودة إلى مسار تصاعدي. فمع اتساع نطاق الاضطرابات، تصبح سلاسل الإمداد أكثر هشاشة، وتزيد كلفة النقل والطاقة والمواد الخام، وهو ما ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والأسعار النهائية للمستهلكين. كما أن البيئة الاقتصادية الحالية تُدار عبر سياسات نقدية أكثر تشددًا في عدد من الدول، ما يرفع تكلفة الاقتراض ويزيد الضغط على الحكومات والشركات.
ثانيًا، يشير الخبير إلى أن العالم يعاني من أزمة ديون عالمية تجاوزت 352 تريليون دولار. وفي ظل هذا الحجم الكبير من الالتزامات، يصبح احتمال تعثر بعض الدول المدينة في السداد أكثر حضورًا، خصوصًا حين تتزامن ضغوط التضخم مع تراجع النمو وارتفاع تكاليف التمويل. وتزداد خطورة المشهد مع أي موجات جديدة من التشديد النقدي، أو مع تدهور مؤشرات التجارة والاستثمار.
ثالثًا، يلفت شعيب إلى أن الاقتصادات الناشئة غالبًا ما تتحمل الجزء الأكبر من فاتورة الصراعات العالمية. فالدول المتقدمة تميل إلى تصنيع القرار ومراكز التمويل وصناعة التحولات، بينما تذهب الاقتصادات الناشئة إلى دفع التكلفة عبر ارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة، وتراجع فرص الاستثمار، وتذبذب تدفقات رأس المال. ويظهر ذلك بوضوح في الموازنات العامة من خلال اتساع عجز الموازنات وارتفاع أعباء خدمة الدين.
وعلى مستوى القارة الإفريقية، يؤكد الخبير أن إفريقيا من أكثر المناطق تضررًا من استمرار النزاعات رغم أنها لا تكون بالضرورة طرفًا فيها. ويحتاج عدد من دول القارة إلى تمويل ضخم للبنية التحتية—بحسب تقديره لا يقل عن 100 مليار دولار سنويًا—وهو تمويل بات أكثر صعوبة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة العالمية. فارتفاع تكلفة الاقتراض يقلل مساحة المناورة المالية ويؤخر تنفيذ المشاريع الضرورية في الطاقة والنقل والمياه والصحة والتعليم.
كما تزداد الآثار السلبية مع توتر الأوضاع الجيوسياسية، إذ تؤثر بشكل مباشر في معدلات النمو عبر عدة قنوات: تراجع الاستثمارات بسبب المخاطر، انخفاض قدرة الشركات على الحصول على التمويل، تذبذب التجارة عبر الحدود، وأخيرًا تدهور القوة الشرائية للأسر نتيجة ارتفاع الأسعار. وكنتيجة لذلك، يرتفع معدل البطالة في كثير من الاقتصادات والأسواق الناشئة، بما يفاقم تحديات الفقر وعدم المساواة.
وتشير القراءة الاقتصادية العامة إلى أن كبح جماح التضخم يتطلب إدارة متوازنة تجمع بين ضبط الأسعار وتقليل مخاطر الدين، بالتوازي مع حماية الفئات الأكثر تأثرًا عبر سياسات اجتماعية تستهدف دعم القدرة الشرائية. وفي الوقت ذاته، تبرز الحاجة إلى تحسين بيئة الاستثمار ورفع كفاءة الإنفاق العام، لزيادة قدرة الدول على امتصاص الصدمات وتحقيق نمو أكثر استدامة رغم ضغوط الحرب والتشديد النقدي.

التعليقات