أكد الدكتور هشام إبراهيم، أستاذ الاستثمار والتمويل، أن تصاعد موجات الحمائية التجارية إلى جانب اضطراب سلاسل الإمداد العالمية أصبح عاملًا حاسمًا يدفع الدول لإعادة النظر في أولوياتها الاقتصادية، مشيرًا إلى أن حماية التجارة الخارجية لم تعد ترتكز فقط على تنويع الأسواق، بل تتطلب تحركًا متكاملًا يشمل إعادة هيكلة القاعدة الإنتاجية وتعزيز القدرات المحلية وترسيخ المرونة في مواجهة الصدمات.
## لماذا تغيّرت قواعد التجارة؟
وأوضح إبراهيم أن الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة شهد سلسلة من الأزمات المتلاحقة، بدءًا من تداعيات جائحة كورونا، ثم انعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من تحديات في الشحن والطاقة والتكاليف، وصولًا إلى التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، أصبحت حركة التجارة والاستثمار أكثر حساسية لتقلبات الأسعار والقيود الجمركية ومخاطر النقل، بما يستدعي سياسات اقتصادية أكثر استباقية.
## تعزيز الإنتاج المحلي ورفع معدلات الاكتفاء الذاتي
في هذا السياق، شدد المتحدث على أن المرحلة الحالية تستلزم دعم الإنتاج المحلي ورفع نسب الاكتفاء الذاتي، خصوصًا في الاقتصادات النامية. فكلما ارتفعت قدرة الدولة على تصنيع المدخلات والسلع الوسيطة، انخفضت تكلفة الاستيراد وتقلصت مخاطر التعطل عند حدوث اضطرابات في الإمداد العالمي. كما أكد أن الاقتصاد المصري يمتلك فرصًا واسعة لزيادة قدراته الإنتاجية عبر استثمار موارده المحلية وتحفيز القطاعات القادرة على النمو والتصدير.
ومن بين المحاور المهمة في هذا الإطار: توطين الصناعات التي تعتمد على سلاسل إمداد خارجية، وتعميق التصنيع المحلي بدلاً من الاكتفاء بالتجميع، إلى جانب تطوير سلاسل القيمة داخل الدولة بحيث تكون هناك قدرة حقيقية على تلبية جزء متزايد من الاحتياجات السوقية والصادرات.
## اتفاقيات التجارة الحرة: العدد لا يكفي
أشار الدكتور هشام إبراهيم إلى أن مصر تمتلك شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة مع أكثر من 114 دولة. ورغم أهمية هذه الاتفاقيات، أوضح أن النجاح لا يرتبط بعدد الاتفاقيات بقدر ما يرتبط بكيفية الاستفادة منها على أرض الواقع، عبر جذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتطوير المنتجات بما يلائم متطلبات الأسواق المستهدفة.
ولكي تحقق هذه الاتفاقيات أثرًا فعليًا، دعا إلى تنسيق السياسات الاستثمارية والتشريعية، مع تحسين بيئة الأعمال وتسهيل الإجراءات وتطوير منظومات الجودة والامتثال لمعايير التصدير. كما أكد ضرورة تطوير شبكات الربط والنقل لضمان تقليل زمن الشحن وخفض كلفة التوريد، وهو ما يسهم في رفع القدرة التنافسية للمنتجات المصرية.
## التعاون الإقليمي وتحديث البنية التحتية
كما شدد على أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول المتجاورة، لأن التكامل الإقليمي يفتح فرصًا أكبر للتجارة عبر الحدود ويشجع إقامة سلاسل إمداد مشتركة. ويأتي ذلك بالتوازي مع تطوير البنية التحتية في مجالات النقل والاتصالات والتكنولوجيا، بما يدعم حركة التجارة ويُحسن كفاءة سلاسل التوريد.
ومن المكاسب المتوقعة من هذا النهج: تقليل تكاليف اللوجستيات، وتعزيز القدرة على التنبؤ بحركة الطلب، وتحسين تدفقات السلع والخدمات عبر ممرات تجارية أكثر كفاءة.
## تنويع الصادرات عبر الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية
لفت إبراهيم إلى أن التوسع في مجالات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية يمثل فرصة استراتيجية لتنويع الصادرات المصرية ورفع تنافسيتها. فمشروعات الطاقة النظيفة لا تدعم فقط أهداف الاستدامة، بل تساهم كذلك في تقليل كلفة الإنتاج على المدى المتوسط وتعزيز القدرة على تلبية متطلبات الأسواق التي تتجه لقياس البصمة الكربونية.
أما في مجال الذكاء الاصطناعي، فيمكن توظيفه في تحسين سلاسل الإمداد، والتخطيط الإنتاجي، وإدارة الجودة، وتقليل الهدر. وفيما يتعلق بالتكنولوجيا المالية، فإنها تفتح الباب أمام أدوات تمويل أكثر مرونة للشركات، وخصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج إلى دعم في التمويل وسلاسل التصدير.
## دور القطاع الخاص كرافعة للتنمية
اختتم الدكتور هشام إبراهيم بالتأكيد أن القطاع الخاص يمثل المحرك الرئيسي للتنمية الاقتصادية. ودعا إلى توسيع دوره في الاستثمار وإقامة المشروعات داخل مصر وخارجها، لما لذلك من أثر في خلق فرص عمل وتعزيز الإنتاج وزيادة الصادرات وبناء شراكات اقتصادية أوسع مع دول مختلفة.
وخلاصة القول، فإن مواجهة تحديات الحمائية التجارية واضطراب سلاسل الإمداد تتطلب مسارًا يجمع بين تقوية الإنتاج المحلي، والاستفادة الذكية من اتفاقيات التجارة الحرة، وتحديث البنية التحتية والربط الإقليمي، مع تسريع الاستثمار في قطاعات تكنولوجية وطاقة نظيفة، بحيث تتحول الصدمات الخارجية إلى فرص لبناء قدرات وطنية أكثر مرونة وتنافسية.

التعليقات