التخطي إلى المحتوى

يشير الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ، إلى أن العالم يشهد خلال الفترة الحالية تصاعدًا ملحوظًا في الظواهر المناخية المتطرفة، وتحديدًا موجات الحر الشديدة التي تضرب جنوب أوروبا والشرق الأوسط، إلى جانب الفيضانات والأعاصير وموجات الجفاف في مناطق متعددة. ويرى قطب أن هذه التحولات لا تأتي بمعزل عن تأثيرات التغير المناخي الناتجة عن النشاط البشري، خصوصًا ارتفاع تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي.

ويؤكد أن بلوغ درجات الحرارة في عدد من دول جنوب أوروبا مستويات تتجاوز 40 درجة مئوية يمثل تغيرًا جذريًا مقارنة بعقود سابقة، حيث كانت درجات الحرارة في هذه الفترة من العام غالبًا تتراوح بين 25 و30 درجة مئوية. ويُرجع ذلك إلى امتداد الكتل الهوائية الحارة القادمة من شمال أفريقيا إلى داخل أوروبا بفعل أنماط حركة الغلاف الجوي، بما يؤدي إلى موجات حر قاسية قد تطول وتزداد شدتها، ويترافق معها ارتفاع في عدد الإصابات والوفيات المرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بالإجهاد الحراري.

ولفت قطب إلى أن تأثير هذه الموجات لا يقتصر على الجانب البيئي، بل يمتد إلى الجانب الصحي والاجتماعي والاقتصادي. فحين تصبح موجات الحر شديدة ومستمرة، ترتفع معدلات ضربة الشمس واضطرابات القلب والجفاف والإجهاد الحراري، وقد تتسبب في خسائر بشرية كبيرة. كما شدد على أن حماية الإنسان من تطرف الطبيعة ليست سهلة كما في النزاعات المسلحة؛ إذ إن الحرارة المرتفعة تؤثر على الجميع دون تمييز، وتفرض تحديات معقدة على منظومات الرعاية الصحية والبنية التحتية.

وعن واقع الدول العربية، أوضح أن بعض السكان يمتلكون قدرة تكيف أعلى بحكم الخصائص المناخية والجغرافية، إلا أن ذلك لا يعني انعدام المخاطر الصحية. فالإجهاد الحراري يبقى تهديدًا قائمًا، وتزداد حدته عندما تترافق الحرارة مع رطوبة مرتفعة؛ وهو عامل قد يجعل الوضع في أوروبا أكثر خطورة في بعض الحالات مقارنة بمناطق عربية معينة. ويؤثر الجمع بين الحرارة والرطوبة على قدرة الجسم على التبريد عبر التعرق، ما يرفع احتمال تعرض الفئات الأكثر هشاشة—كبار السن والأطفال ومرضى القلب والربو—لمضاعفات خطيرة.

كما يوضح قطب أن ارتفاع درجات حرارة البحار يلعب دورًا في تعزيز وتيرة بعض الظواهر، إذ يؤدي إلى زيادة معدلات التبخر. ونتيجة ذلك، قد تتشكل سحب رعدية وأمطار غزيرة في مناطق واسعة، وهو ما يفاقم خطر الفيضانات. ويستشهد بوقائع شهدتها ولايات أمريكية مثل فلوريدا، حيث تعقب موجات الحر أمطار غزيرة وفيضانات، في صورة تعكس ارتباط الاحترار البحري بتغير أنماط الهطول.

وأضاف أن المنطقة العربية سجلت خلال العقود الماضية درجات حرارة قياسية تجاوزت 50 درجة مئوية في عدد من الدول، مثل ليبيا ومصر والسعودية، ما يعكس اتساع نطاق التأثيرات المناخية المتطرفة. ويرى أن استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري وزيادة الانبعاثات—وخاصة ثاني أكسيد الكربون—سيؤدي إلى مزيد من تفاقم الأزمة المناخية على مستوى العالم، وليس فقط في أوروبا.

وفيما يخص الحلول، شدد الدكتور علي قطب على أن مواجهة التغيرات المناخية تتطلب مسارين متكاملين: الأول خفض الانبعاثات الكربونية بشكل ملموس عبر التحول إلى مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، والثاني تعزيز خطط التكيف مع آثار التغير المناخي. ومن ضمن إجراءات التكيف التي تسهم في تخفيف الأثر: توسيع المساحات الخضراء، تحسين أنظمة الإنذار المبكر للموجات الحارة والفيضانات، تطوير كفاءة المباني للتقليل من امتصاص الحرارة، وتحديث خطط الطوارئ في المستشفيات ووسائل النقل. كما أشار إلى أن مصر وعددًا من الدول العربية بدأت بالفعل تبني مشروعات تستهدف رفع القدرة على مواجهة هذه التحديات.

ويخلص قطب إلى أن أوروبا والولايات المتحدة من أكثر المناطق تأثرًا بالظواهر المناخية المتطرفة حاليًا، لكن الخطر ليس محصورًا جغرافيًا؛ إذ إن تغير المناخ يؤثر في منظومات الطقس والبحار والأمطار على نطاق عالمي، ما يستدعي تحركًا سريعًا وشاملًا للحد من الأسباب ومواجهة النتائج عبر سياسات مناخية فعّالة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *