التخطي إلى المحتوى

لم يعد خطر الإنترنت على الأطفال محصورًا في المحتوى غير المناسب فقط، بل توسّع ليشمل منظومة متكاملة من التهديدات داخل الفضاء الرقمي. وتشمل هذه التهديدات التنمر الإلكتروني، والاستغلال والابتزاز الرقمي، والاحتيال والاستدراج عبر الرسائل، وصولًا إلى الإدمان على المنصات وما يترتب عليه من آثار نفسية ومعرفية. لذلك لم يعد السؤال المطروح عالميًا هو “هل يستخدم الأطفال الإنترنت؟”، بل “كيف نحميهم أثناء استخدامهم، وكيف نضمن استخدامًا آمنًا ومسؤولًا؟”.

تشير دراسات دولية إلى أن الأطفال يقضون وقتًا طويلًا يوميًا أمام الشاشات، كما أن منصات التواصل الاجتماعي تعتمد خوارزميات مصممة لزيادة مدة التفاعل وجذب الانتباه. هذا النمط يجعل الأطفال أكثر قابلية للإدمان الرقمي، وقد ينعكس على حياتهم اليومية عبر اضطرابات النوم، وتزايد مستويات القلق، وضعف العلاقات الاجتماعية وجهًا لوجه. إضافةً إلى ذلك، قد يتعرض الأطفال تلقائيًا لمحتوى عنيف أو جنسي أو مضلل لا يتناسب مع مراحل نموهم، خاصة عندما تعمل الخوارزميات على تقديم محتوى “مشابه لما يحبّه الطفل” دون مراعاة لمدى ملاءمته.

وتزداد هشاشة الطفل في البيئة الرقمية بسبب محدودية قدرته على التمييز بين الحقيقة والتزييف، وعدم امتلاكه خبرات كافية لفهم أساليب الخداع الإلكتروني. كما أن بيئات التطبيقات الحديثة التي تتيح التفاعل المباشر مع غرباء (سواء عبر الدردشة أو المشاركات أو الرسائل الخاصة) قد تفتح الباب أمام مخاطر مثل الاستدراج، وتجميع البيانات، وتصعيد الابتزاز خطوة بخطوة. ومع توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ازداد خطر إنشاء محتوى مزيّف أو رسائل تبدو حقيقية، مما يجعل حماية الأطفال أكثر تعقيدًا وتتطلب أدوات ووعيًا متزامنًا.

لهذا اتجهت العديد من الدول خلال السنوات الأخيرة إلى تشديد سياسات استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي. فهناك دول وضعت حدودًا أو اشترطت موافقة أولياء الأمور، ومنها أستراليا وإسبانيا وبعض الولايات الأمريكية ودول أوروبية، بينما اختارت دول أخرى رفع الحد الأدنى للسن المطلوب لاستخدام منصات اجتماعية إلى سن 16 عامًا. ولم يكن اختيار هذا السن قائمًا على الاعتباط، بل يستند إلى نتائج في علم النفس والأعصاب تشير إلى أن المراهقين قبل 16 عامًا قد لا يكون لديهم اكتمال كافٍ للنضج المرتبط باتخاذ القرار وضبط الانفعالات وتقييم المخاطر، وهي وظائف يرتبط أداؤها بتطور الفص الجبهي (الجزء المسؤول عن التخطيط والفرز واتخاذ القرار). ومع اكتمال هذا النضج تدريجيًا، تصبح قدرة المراهق على إدارة الضغوط الرقمية وفهم مفاهيم الخصوصية والتعامل مع العلاقات عبر الإنترنت أفضل.

ورغم أن اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل تُعرّف الطفل بأنه كل إنسان دون سن 18 عامًا، فإن كثيرًا من التشريعات تضع سنًا أدنى عمليًا للتمتع بحقوق رقمية معينة. ويُنظر عادةً إلى سن 16 كحل وسط بين حق المراهق في الوصول للتكنولوجيا، وبين ضرورة حمايته من مخاطر قد يصعب عليه التعامل معها وحده.

في مصر، تحولت القضية من مجرد حملات توعوية إلى إجراءات تنظيمية وتشريعية. فقد أعلنت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بالتعاون مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، إطلاق خدمتي “اطمن” و“اطمن على الآخر”، المعروفتين إعلاميًا ضمن “شريحة الطفل”. تستهدف الخدمة توفير بيئة تصفح أكثر أمانًا عبر حجب المحتوى الضار، وتفعيل البحث الآمن، والحماية من المواقع الخبيثة. كما يمكن في الخدمة الأعلى منع الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي بحسب آليات محددة، بما يتيح لولي الأمر مستوى تحكم أكبر وفقًا لاحتياجات الطفل وعمره.

وبالتوازي مع الجانب التقني، تواصل الوزارة تنفيذ مبادرات لنشر الوعي الرقمي، من بينها منصة “واعي”، إلى جانب برامج تستهدف أولياء الأمور والأطفال معًا حول الاستخدام الآمن والمسؤول للإنترنت. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن الحل لا يقوم على التكنولوجيا وحدها، بل يعتمد كذلك على بناء ثقافة رقمية داخل الأسرة، تشمل تعليم الطفل قواعد الخصوصية، وكيفية التعامل مع الرسائل المشبوهة، ومتى ينبغي إبلاغ الوالدين أو المعلمين.

على الجانب التشريعي، يعمل مجلس النواب على إعداد مشروع قانون يهدف إلى حماية الأطفال على الإنترنت ومواكبة التطورات المتسارعة في البيئة الرقمية. تأتي هذه الخطوة في إطار توجّه لبناء إطار قانوني ينظم العلاقة بين الأطفال والمنصات الرقمية ويحدد مسؤوليات مختلف الأطراف، بما في ذلك شركات التكنولوجيا ومقدمي الخدمات والأسرة والمؤسسات التعليمية.

ومع أهمية القوانين والأدوات التقنية، يبقى نجاح الحماية الرقمية مرتبطًا بدور الأسرة بالدرجة الأولى. إذ لا يمكن لأي نظام فلترة أو حجب أن يغني عن الرقابة الواعية والحوار المستمر. فكلما تمكن الوالدان من معرفة ما يفعله الطفل على الإنترنت، وفهم الأساليب الشائعة للتلاعب أو الاستدراج، ووفّرا مساحة آمنة للحديث دون خوف أو عقاب مبالغ، زادت فرص اكتشاف المشكلة مبكرًا وتقليل آثارها. لذلك تؤكد تقارير متعددة أن حماية الطفل في العصر الرقمي مسؤولية مشتركة بين الدول وشركات التكنولوجيا والمدرسة والأسرة، بحيث تعمل كل جهة على تقليل المخاطر دون حرمان الطفل من الفوائد التعليمية والمعرفية التي يقدمها الإنترنت.

ولتعزيز الحماية بشكل عملي، يمكن للأسرة تبني ممارسات واضحة مثل: وضع حدود زمنية لاستخدام الشاشة، تفعيل إعدادات الخصوصية، مراجعة مواقع/تطبيقات الطفل دوريًا، تعليم الطفل عدم مشاركة بيانات شخصية مثل رقم الهاتف أو العنوان، وتدريبه على التعرف على علامات التنمر الإلكتروني أو الاستدراج وكيفية طلب المساعدة. بهذا يصبح الإنترنت مساحة تعلم وتواصل، لا مصدر تهديد، وتتوازن الحقوق الرقمية مع واجب الحماية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *