التخطي إلى المحتوى

قال الكاتب الصحفي سامح فايز إن جذور العلاقة بين أوروبا وجماعة الإخوان تمتد إلى عقود طويلة، مشيرًا إلى أن عددًا من الحكومات الأوروبية استعانت بالجماعة في التعامل مع ملف الجاليات الإسلامية داخل القارة. ووفقًا لما طرحه فايز، جاء هذا الاستناد إلى اعتقاد بأن الجماعة تمتلك قدرة تنظيمية واتصالًا مباشرًا بالجاليات، ما يجعلها طرفًا يسهل توظيفه في إدارة قضايا اجتماعية ودينية وثقافية تتقاطع مع اهتمامات الدول الأوروبية.

وأوضح فايز خلال حديثه مع الإعلامي حمدي رزق في برنامج «نظرة» المذاع على قناة «صدى البلد» أن أوروبا بدأت تتعامل مع جماعة الإخوان بهذا المنطق بشكل أوضح بعد تأسيس التنظيم الدولي للجماعة في ثمانينيات القرن الماضي. في تلك المرحلة، قدمت الجماعة نفسها بوصفها الممثل الأكثر حضورًا للجاليات الإسلامية، وقدرتُها—بحسب تصور بعض دوائر القرار—على احتواء الإشكالات المرتبطة بتأثيرات دينية واجتماعية لدى المجتمعات المسلمة، عززت من فرص قبولها كقناة وسيطة بين المؤسسات الأوروبية والجاليات.

ولفت الكاتب إلى أن هذه التطورات تزامنت مع طرح تصورات داخل مؤسسات بحثية غربية حول أساليب التعامل مع الحركات الإسلامية، ومن أبرزها ما نُسب إلى مؤسسة «راند» بشأن آليات إدارة التفاعلات مع الجماعات. وتضمنت تلك المقاربات توجهات تهدف، وفق المنطق الغربي المعلن آنذاك، إلى الدفع باتجاه اهتمام تلك الجماعات بإدارة أوضاع بلدانها أو العمل داخل الإطار المحلي، على نحو يقلل من احتمالات تحوّلها إلى مصدر تهديد مباشر أو عامل تصعيد خارج نطاق السيطرة.

وبحسب رواية فايز، أدى تقاطع المصالح إلى خلق مساحة تعامل متبادل: فمن ناحية استفادت جماعة الإخوان من هذه العلاقة في توسيع نفوذها وتوطيد حضورها داخل مجتمعات مسلمة أوروبية، ومن ناحية أخرى وظفت بعض الأطراف الغربية الجماعة كأداة لإدارة ملف الجاليات الإسلامية عبر قنوات تنظيمية وخطاب ديني وسيط. كما انعكس ذلك على دعم بعض الأدوار المتعلقة بالمساجد والأنشطة الثقافية والتعليمية، بما جعل الجماعة قادرة على التأثير في تشكيل شبكات اجتماعية داخل أوروبا.

ويشير الكاتب إلى أن فهم هذه العلاقة لا يقتصر على قراءة العلاقات السياسية المباشرة، بل يتصل أيضًا بطريقة إدارة التحديات ذات الصلة بالتعددية الثقافية والاندماج المجتمعي، وإشكالات التمويل والحوكمة داخل مؤسسات المجتمع المدني، إضافة إلى كيفية التعامل مع خطاب ديني يمكن أن يتقاطع—إما إيجابيًا أو سلبًا—مع أولويات الأمن والتماسك الاجتماعي. وبهذا المعنى، توضح المسألة كيف يمكن لعوامل تاريخية واستراتيجية أن تصنع تحالفات وظيفية أو ترتيبات نفوذ مؤقتة بين أطراف سياسية وجماعات دينية، قبل أن تتغير لاحقًا وفق تقييمات مختلفة للتهديدات والامتثال القانوني.

وتبقى النقطة الأساسية، كما يعرضها سامح فايز، أن العلاقة التاريخية بين أوروبا وجماعة الإخوان مرت بمراحل بدأت بالمنفعة المتبادلة المرتبطة بملف الجاليات الإسلامية، ثم اتخذت أبعادًا أكثر تعقيدًا مع تطور الرؤى الغربية حول كيفية ضبط المجال الديني والاجتماعي، وما يترتب عليه من حسابات تتعلق بالأمن الداخلي والتمكين المجتمعي وتوازنات السياسة الخارجية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *