يؤكد الكاتب الصحفي والإعلامي عادل حمودة أن عامي 2016 و2017 شهدا تصاعداً ملحوظاً في مستوى الصدمة الأمنية في العراق، نتيجة الاستخدام المنهجي للطائرات المسيرة من قبل تنظيم “داعش”. ووفقاً لما ورد في تقارير التحالف الدولي ضد التنظيم، اعتمدت الجماعة على طائرات مسيرة تجارية تم تعديلها، ثم استخدامها في تنفيذ هجمات عبر إسقاط قنابل صغيرة على القوات العراقية. ويشير حمودة إلى أن فهم طبيعة هذه الطائرات يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من قوة السلاح نفسه.
فالميزة الأساسية للطائرات المسيرة، كما يوضح، ليست بالضرورة قوة النيران أو التفوق الحربي التقليدي، بل قدرتها على تحقيق أهداف عملياتية بتكلفة أقل وبمخاطر بشرية محدودة. ويرتبط ذلك بفكرة “الحرب عن بُعد” التي تقلل من احتمالات فقد الطيارين أو تعرض القوات للإصابات خلال تنفيذ الضربات. ولفت حمودة إلى أن الولايات المتحدة منذ عام 2001 نفذت مئات الضربات العسكرية باستخدام الطائرات بدون طيار، بما ساهم في ترسيخ مفهوم توظيفها كأداة فعّالة ضمن مهام هجومية ورصد.
وعلى مستوى السياسات العسكرية، يرى الكاتب أن الطائرات المسيرة تمنح الحكومات هامشاً أكبر من المرونة مقارنة بالحروب التي تعتمد على مقاتلات مأهولة، لأنها تقلل العبء السياسي المرتبط بمآلات الطيارين. كما يبرز التحول الأوسع في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عندما بدأت الطائرات المسيرة تصبح متاحة تجارياً للأفراد والمؤسسات، الأمر الذي وسّع نطاق استخدامها ولم يقتصر على الجيوش.
ومن نقاط التحول التي عززت انتشار هذه التقنية، انتشار المتاجر التي تبيع الطائرات المسيرة في المدن الأوروبية والأميركية، وهو ما أدى إلى تنوع الأحجام والأشكال والقدرات. ومع انخفاض الأسعار تدريجياً، صار من الممكن شراء منصات صغيرة ومتوسطة بسرعة أكبر وبمستويات تعقيد أقل، ما دفع جهات غير دولية إلى استغلالها في عمليات مختلفة.
ويضيف حمودة أن تحديثات التقنية لعبت دوراً حاسماً في رفع كفاءة الطائرات المسيرة، مثل إدخال أنظمة تحديد المواقع (GPS) التي تحسن دقة الملاحة، وإضافة الكاميرات الرقمية التي تساعد على الرصد والتوجيه، إلى جانب الاعتماد على بطاريات ليثيوم عالية الكفاءة تقلل زمن التوقف وتزيد الاستمرارية. وبذلك لم تعد الطائرات المسيرة مجرد أدوات استطلاع، بل أصبحت قابلة للتحويل إلى منصات تنفيذ ضربي عبر تعديل بسيط في بعض الحالات.
ولتعميق الصورة، يمكن القول إن هذا التطور ارتبط أيضاً بعوامل مثل سهولة البرمجة والتحكم عن بعد، وتوافر قطع الغيار ومكونات التصنيع والتجميع، إضافة إلى انتشار منصات التدريب والدعم التقني عبر الإنترنت. ونتيجة لذلك، انتقل استخدام الطائرات المسيرة من مرحلة محدودة تعتمد على قدرات عسكرية متخصصة، إلى مرحلة أكثر انتشاراً حيث تتداخل الاستخدامات بين الاستطلاع والمراقبة والضربات التكتيكية، مع بقاء التكلفة عاملاً مؤثراً في اختيارها.
في النهاية، يجمع حمودة على أن تحول الطائرات المسيرة إلى سلاح منخفض التكلفة عالي التأثير لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة تفاعل بين عوامل أمنية ميدانية، وثورة في الإتاحة التجارية، وتحسن متسارع في تقنيات الملاحة والتصوير والطاقة، ما جعلها أداة تؤثر في طبيعة الصراع وتعيد رسم معادلات المخاطر والتكاليف.

التعليقات