أكد الدكتور عماد الساعي، أستاذ إدارة المخاطر والأزمات، أن «القوى الناعمة» ليست مجرد صورة ذهنية أو دعاية إعلامية، بل منظومة تأثير متكاملة تبدأ من القدرة على الجذب، ثم الإعجاب، مروراً بالاهتمام، وصولاً إلى التملك والهيمنة الناعمة. وشرح أن بعض الدول اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى الاستثمار في هذا النوع من القوة حتى تصبح أكثر فاعلية من القوى العسكرية في تحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد.
وخلال حواره في برنامج «حقائق وأسرار» على قناة صدى البلد، أوضح أن مصر تمتلك مقومات واضحة للقوى الناعمة، وأن نقطة الانطلاق الأساسية تتمثل في الأزهر الشريف، بوصفه مؤسسة دينية وعلمية تمتلك حضوراً مؤثراً عربياً وإسلامياً، فضلاً عن دوره في دراسة ونشر الدين الوسطي. وأشار إلى أن «دارسين يدرسون الدين الوسطي»، بما يعكس قدرة الأزهر على بناء فهم متوازن للإسلام وتعزيز القبول والتعايش، وهو ما يخلق مساحة واسعة للجذب على المستوى الشعبي والفكري.
كما شدد الدكتور عماد الساعي على أن الشعب المصري يمتلك سمات داعمة لفكرة القوى الناعمة، فهو «ودود وجاذب»، ولديه قدرة على تحقيق نوع من التأثير والهيمنة بشكل مختلف عن الهيمنة العسكرية، من خلال التعامل الإنساني، والقدرة على بناء علاقات اجتماعية وثقافية ممتدة، وامتلاك حضور تاريخي وحضاري يصعب إزاحته أو تقليصه.
ومن بين أدوات التأثير عالمياً التي أشار إليها، ذكر عدداً من الرموز والفاعليات التي تحظى بتفاعل عالمي مثل محمد صلاح، والدكتور مجدي يعقوب، واعتبر أن لكل منهم دوراً مختلفاً في صناعة صورة مصر الإيجابية. فمحمد صلاح يمثل نموذجاً للنجاح والتميز الرياضي والقدرة على الوصول إلى جماهير عالمية، بينما يعكس الدكتور مجدي يعقوب قيماً إنسانية وعلمية متصلة بالخدمة الطبية والبحث والابتكار، وهو ما يعزز الثقة ويقود إلى الإعجاب.
وأشار كذلك إلى أن المتحف المصري الكبير يُعد من أهم أدوات القوى الناعمة قادرة على الجذب، نظراً لأنه يعزز حضور مصر الثقافي والحضاري ويجعل التجربة المعرفية ماثلة للزوار والباحثين والسياح من مختلف أنحاء العالم. فالتراث حين يُقدَّم بأسلوب حديث ومنظم يتحول إلى رسالة قوة ناعمة، ويؤثر في تشكيل الانطباعات، ويخلق ارتباطاً إيجابياً طويل الأمد.
ولتعزيز الفكرة، يمكن فهم القوى الناعمة على أنها مسار تأثير متدرج: جذب الاهتمام أولاً عبر المحتوى والرموز والقدرة على التميز، ثم تحويل الاهتمام إلى إعجاب عبر الجودة والمصداقية، وبعدها بناء علاقات مستمرة من خلال مؤسسات تعليمية وثقافية وإنسانية، وصولاً إلى مرحلة «التملك» أي أن تتبنى الفئات المستهدفة رؤية إيجابية أو شراكات طويلة المدى، بما يحقق في النهاية نوعاً من الهيمنة الناعمة دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور عماد الساعي أن استثمار مصر في عناصر قوتها الناعمة—الدين الوسطي، والرموز العالمية، والمؤسسات الثقافية الكبرى—يمكن أن يسهم في تقوية مكانة الدولة دولياً، ويزيد قدرتها على التأثير في بيئات متعددة، ويحول حضورها الحضاري إلى قوة ملموسة على الأرض، تُقاس بالقبول، والاحترام، وبناء التحالفات الناعمة، وتوسيع فرص التعاون الاقتصادي والمعرفي.

التعليقات