التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور عبدالله أبو خضرة، أستاذ هندسة النقل والطرق، أن قطاع السكك الحديدية في مصر يشهد خلال السنوات الأخيرة أكبر مرحلة تحديث في تاريخه، ضمن برنامج متكامل يستهدف تطوير البنية الأساسية وتحسين الأداء ورفع مستويات الأمان، إضافة إلى توطين جوانب من تكنولوجيا صناعة النقل عبر شراكات مع شركات عالمية.

أولاً: تاريخ عريق وشبكة متقدمة إقليميًا
أوضح أبو خضرة أن مصر تمتلك ثاني أقدم شبكة سكك حديدية في العالم بعد المملكة المتحدة، والأولى على مستوى أفريقيا والشرق الأوسط. وتعود جذور الفكرة إلى عام 1834 في عهد محمد علي باشا، قبل أن يبدأ التشغيل الفعلي لأول خط بين القاهرة والإسكندرية خلال خمسينيات القرن التاسع عشر، وهو ما وضع مصر ضمن المراكز المبكرة تاريخيًا لتأسيس السكك الحديدية.

وأضاف أن تطور الشبكة جاء عبر مراحل متتابعة؛ بدءًا من القاطرات البخارية ثم الانتقال إلى نظم أكثر حداثة مع القطار الكهربائي وغيرها من حلول الجر، مشيرًا إلى أن مصر من أوائل الدول في المنطقة التي تبنت مبكرًا هذا النوع من الجر.

ثانيًا: خطة تطوير واسعة بدأت بقفزة حقيقية منذ 2014
وبيّن أستاذ هندسة النقل والطرق أن قطاع السكك الحديدية دخل منذ عام 2014 مرحلة توسع وتحسين غير مسبوقة، من أبرزها توريد 260 جرارًا جديدًا، وتأهيل 385 جرارًا، إلى جانب توريد 1350 عربة ركاب ورفع كفاءة 1375 عربة قائمة. كما تضمنت الخطة أعمال تحديث متزامنة لعدد من الخطوط والمحطات، إضافة إلى إنشاء محطات حديثة من بينها محطة بشتيل، بما يعكس توجهًا نحو رفع جودة الخدمة وتسهيل حركة الركاب.

ولفت إلى أن برنامج التطوير لم يقتصر على المعدات والأصول الفنية فقط، بل شمل أيضًا رفع كفاءة العنصر البشري عبر تدريب العاملين وتأهيلهم على أحدث نظم التشغيل والصيانة، بما يضمن استمرارية الأداء بكفاءة أعلى.

ثالثًا: توطين صناعة النقل عبر شراكات عالمية
ومن محاور التطوير الأساسية أيضًا توطين صناعة وسائل النقل داخل مصر. وأوضح أبو خضرة أن الدولة تعمل تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية على إقامة شراكات مع شركات عالمية من كوريا الجنوبية وفرنسا وإسبانيا وغيرها، بهدف تصنيع مكونات مركبات النقل محليًا، وتوفير حلول تلبي احتياجات السوق المصرية.

كما أوضح أن هذه الشراكات تسهم في نقل المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة، وتعزز قدرة الصناعة المحلية على التطوير المستمر، مع توقعات بالتوسع لاحقًا في التصدير إلى الأسواق الخارجية، بما يدعم موقع مصر كمركز إقليمي لصناعات النقل في أفريقيا والشرق الأوسط.

رابعًا: توسع منظومة النقل الكهربائي لزيادة السعة وتقليل الأثر البيئي
أكد أبو خضرة أن مصر تشهد توسعًا ملحوظًا في مشروعات النقل الكهربائي، يأتي على رأسها القطار الكهربائي السريع، ومترو الأنفاق، والقطار الكهربائي الخفيف (LRT). وأشار إلى أن هذه المشروعات ترتكز على استخدام طاقة أنظف، بما يدعم توجهات الدولة نحو تقليل الانبعاثات وتحسين جودة البيئة.

كما أوضح أن منظومة القطار الكهربائي السريع من شأنها رفع الطاقة الاستيعابية لنقل الركاب والبضائع، وتحسين كفاءة منظومة النقل على مستوى الجمهورية عبر ربط المناطق بسعات أعلى وزمن تشغيل أكثر انتظامًا.

خامسًا: تطوير نظم الإشارات والتحكم الإلكتروني لرفع السلامة
ومن أهم ركائز التحديث كذلك تطوير نظم الإشارات والتحكم الإلكتروني. فمع استبدال العديد من الأنظمة الميكانيكية القديمة بأنظمة إلكترونية حديثة، يتم اعتماد غرف تحكم مركزية تعمل بتقنيات متقدمة تتيح مراقبة حركة القطارات بصورة أدق، وتقليل احتمالات الأخطاء البشرية.

وأوضح أن الهدف من هذا التطوير ليس فقط زيادة انتظام التشغيل، بل كذلك رفع معدلات الأمان، وتعزيز قدرة منظومة السكك الحديدية على التعامل مع الظروف التشغيلية المختلفة عبر قواعد تحكم أكثر دقة واستجابة أسرع.

سادسًا: أثر تنموي ولوجستي لتعزيز مكانة مصر
وختم الدكتور عبدالله أبو خضرة حديثه بالتأكيد على أن مشروعات تطوير السكك الحديدية تأتي ضمن رؤية أوسع لإنشاء منظومة نقل حديثة ومستدامة، تسهم في دعم حركة التجارة وتقليل زمن الرحلات وزيادة الاعتمادية في نقل الركاب والبضائع. كما تسهم هذه التطورات في ترسيخ مكانة مصر كمحور لوجستي إقليمي عبر تحسين كفاءة الربط داخل البلاد ورفع جاهزية البنية التحتية لاستيعاب نمو الطلب مستقبلاً.

وبذلك، تتكامل مكونات الخطة بين تحديث المعدات والبنية الأساسية، وتطوير أنظمة التشغيل والإشارات، والتوسع في النقل الكهربائي، إضافة إلى توطين التكنولوجيا عبر الشراكات، وهو ما يترجم إلى رحلة نقل أكثر أمانًا وفاعلية، ويدعم قدرة القطاع على المنافسة الإقليمية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *