التخطي إلى المحتوى

أكدت الدكتورة إيمان أبو العلا، أخصائية التربية الخاصة، أن كثيرًا من أولياء الأمور يعتقدون أن “المشكلة” موجودة في الطفل نفسه، بينما قد تكون جذورها في أسلوب التربية داخل المنزل وطريقة التعامل اليومي. وشددت على نقطة بالغة الأهمية: لا يجوز للأب أو الأم تشخيص اضطراب أو تقييم سلوكي للطفل من تلقاء أنفسهم، لأن ذلك قد يؤدي إلى أحكام غير دقيقة أو حلول غير مناسبة.

لماذا التشخيص يجب أن يكون عند مختص؟

توضح الدكتورة أن تشخيص أي اضطراب أو سلوك إشكالي—سواء كان مرتبطًا بالتأخر اللغوي، فرط الحركة، صعوبات التعلم، القلق، أو غيرها—لا بد أن يتم بواسطة متخصصين مؤهلين. فبعض السلوكيات قد تكون طبيعية في مراحل عمرية محددة، مثل التمرد المرحلي أو اندفاعية الطفل أو تكرار سلوكيات معينة بهدف استكشاف الحدود. وفي المقابل، قد ترتبط مشكلات أخرى بعوامل بيئية داخل الأسرة مثل نمط الحوار، مستوى التوقعات، طريقة العقاب، كثرة التوبيخ أو غياب الاتساق بين الوالدين.

وتؤكد أن التشخيص المبكر والدقيق يساعد على اختيار التدخل المناسب بدلاً من الاكتفاء بتفسير المشكلة كتحدٍّ أو “عناد”.

تعديل السلوك يبدأ من الوالدين قبل أن يبدأ من الطفل

أشارت أخصائية التربية الخاصة إلى أن البداية العملية لتعديل السلوك لا تكون عبر توجيه الطفل فقط، بل عبر مراجعة سلوك الوالدين وطريقة تفاعلهم داخل البيت. من المستحيل أن يُطلب من الطفل الابتعاد عن سلوك يمارسه الوالدان أمامه بشكل يومي.

وضربت مثالًا واضحًا: إذا كان الأب يدخن ثم يطلب من ابنه ألا يدخن، فكيف سيكوّن الطفل “قيمة الالتزام” التي تُذكر له؟ الأطفال يتعلمون من الملاحظة والتقليد أكثر من تعلمهم من الأوامر والنصائح، لذلك تصبح القدوة عنصرًا أساسيًا في تغيير السلوك.

الأطفال يقلدون: لذلك تغيّروا أنتم أولاً

يوضح الواقع التربوي أن الطفل يراقب تصرفات والديه باستمرار—في نبرة الكلام، في الانفعالات، في إدارة الخلافات، وفي أساليب التعامل مع الضغط. وغالبًا ما يعتبر الطفل ما يحدث أمامه “القواعد الحقيقية” حتى لو قيل له غير ذلك. لذلك فإن أي تعديل للسلوك عند الطفل يتطلب تعديلًا مماثلًا في أسلوب التواصل داخل الأسرة، مثل:

  • استخدام عبارات هادئة وحازمة بدل الصراخ أو التهديد المتكرر.
  • الالتزام بالروتين اليومي (النوم، الأكل، الواجبات) لتقليل التوتر.
  • تعزيز السلوك المرغوب بالثناء الواضح بدل التركيز الدائم على الخطأ.
  • إيجاد قواعد منزلية واضحة ومتفق عليها بين الوالدين وتطبيقها باستمرار.

السنوات الأولى: مرحلة تأسيس الشخصية

تؤكد أخصائية التربية الخاصة أن السنوات الأولى من عمر الطفل تُعد الأكثر تأثيرًا في تشكيل شخصيته وسلوكياته. في هذه المرحلة يكتسب الطفل غالبية عاداته وقيمه من البيئة المحيطة، ومنها طريقة تعامل الأسرة مع المشاعر، والتوقعات، والحدود. لذا فإن وجود قدوة حسنة داخل المنزل، إلى جانب دعم عاطفي وتنظيم للسلوك، يساهم في بناء طفل أكثر توازنًا واستقرارًا.

التربية ليست كثرة توجيه… بل ممارسة يومية

تختتم الدكتورة حديثها بأن التربية لا تعتمد على كثرة الكلام أو التوجيهات المتكررة، بل تعتمد على التطبيق اليومي والمواقف المتكررة التي يتعلم منها الطفل. فالإصلاح الحقيقي لسلوك الأبناء يبدأ بسلوك الكبار: عندما يتعلم الوالدان كيفية إدارة الغضب، وكيفية الحوار، وكيفية وضع الحدود بطريقة تربوية، يصبح تعديل سلوك الطفل أكثر واقعية وفعالية.

ولتعزيز ذلك، يمكن للأهل اتباع خطوات بسيطة وعملية مثل تنظيم وقت اللعب والتعلم، وتقسيم التعليمات إلى خطوات قصيرة، وتجنب النقد أمام الآخرين، والبحث عن الأسباب خلف السلوك بدل الاكتفاء بالحكم عليه. وعند استمرار السلوك بشكل يؤثر على حياة الطفل أو دراسته أو علاقاته، يُنصح بطلب تقييم متخصص لضمان تدخل مناسب ودقيق.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *