التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور أبوبكر باذيب، رئيس المركز الأوروبي لقياس الرأي، أن أي صراع في المنطقة عادة ما يترافق مع سرديتين رئيسيتين تحاولان تفسير مجريات الأحداث وتوجيه الرأي العام: سردية أمريكية وسردية إيرانية. ورأى أن السردية الإيرانية تميل، في الغالب، إلى تقديم نفسها بوصفها حققت انتصارًا، خصوصًا حين تتمكن من ربط النتيجة بمفاهيم مركزية مثل الصمود والمقاومة، وبأبعاد دينية وثقافية تُضفي على الوقائع معنى يتجاوز الجانب العسكري.

وأوضح أن من أبرز الأدوات التي تستخدمها السردية الإيرانية توظيف ثقافة الشهادة والانتصار على “العدو”، عبر صياغات خطابية تعكس تفسيرات عقائدية وأخلاقية للصراع. وفي هذا الإطار، يُقدَّم “الشيطان الأكبر” بوصفه رمزًا للخصم، بما يساعد على تعميق القناعة لدى القاعدة المؤيدة للخط الإيراني، وكذلك لدى المتعاطفين معه. كما أشارت مداخلته إلى أن هذه الأدوات لا تقتصر على الداخل الإيراني، بل تسعى أيضًا إلى التأثير في أطراف أخرى، حتى وإن كانت مترددة أو تمتلك مواقف عدائية تجاه خصم إيران، ومن بينها إسرائيل باعتبارها جزءًا محوريًا من معادلة الصراع في المنطقة.

وبالمقابل، لفت باذيب إلى أن السردية الأمريكية تمتلك أدوات وآليات مختلفة تمكنها من الاستناد إلى وقائع ميدانية تراها واشنطن “دليلًا” على تحقيق إنجازات أو انتصارات في مراحل محددة. واعتبر أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب سعى إلى تسويق هذا المنطق عبر رسائل داخلية وخارجية، مع محاولة ترسيخ صورة مفادها أن التحركات الأمريكية تقود إلى نتائج ملموسة يمكن عرضها للرأي العام.

ورغم اختلاف زاوية التفسير بين السرديتين، شدد الدكتور أبوبكر باذيب على أن طبيعة الحروب في المنطقة—بحكم تعقيداتها وتداخلاتها—غالبًا ما تؤدي إلى إنتاج حالة من الفوضى الممتدة بدلًا من الوصول إلى “حسم” واضح يحقق انتصارًا نهائيًا لأي طرف. فمن خلال تحويل الوقائع إلى سرديات متنافسة، قد تتغذى دورة الاستقطاب، وتتزايد احتمالات التصعيد، ويصبح من الصعب وقف دوامة العنف أو ترسيخ نتائج سياسية مستقرة.

ولإثراء الصورة، يمكن القول إن الصراع لا يُختزل في الجبهات العسكرية فحسب، بل يتشكل أيضًا عبر الحرب الإعلامية، وسباق تفسير النتائج، ومحاولة كل طرف بناء شرعية سردية تدعم موقفه. فحين تتحول الأحداث إلى معارك على مستوى “كيف تُروى” أكثر من كونها “ماذا تعني”، تزداد احتمالات بقاء الآثار السلبية لفترة أطول، سواء على الأمن الإقليمي أو على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمدنيين.

وبذلك، تصبح المنافسة بين السردية الإيرانية والسردية الأمريكية عاملًا إضافيًا في تعقيد المشهد: الأولى تمنح الصراع طابعًا تعبويًا ومعنويًا دينيًا وأخلاقيًا، والثانية تقدم رواية تقوم على معطيات مرحلية ووقائع ميدانية. وفي الحصيلة، قد تتراجع احتمالات التهدئة، بينما تتسع دائرة عدم اليقين، لتبقى “الفوضى الممتدة” الأثر الأكثر شيوعًا في مسار الأحداث.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *