أكد الكاتب جمال أسعد أن المشهد الحزبي في مصر مرّ بتحولات ملحوظة خلال السنوات الماضية، انعكست في اختلاف طبيعة الأحزاب على الساحة بين تيارات سياسية ذات جذور تاريخية عميقة، وأخرى تشكلت في أعقاب ثورة 25 يناير. ووفقًا لتقييمه، فإن فهم هذا التحول يقتضي النظر إلى مسار التجارب الحزبية وأسباب نجاح بعضها في ترسيخ حضوره، وتعثر غيره في الوصول إلى جمهور مؤثر وواسع.
وقال أسعد خلال لقاء له ضمن برنامج “نظرة” المذاع عبر فضائية “صدى البلد” تقديم الإعلامي حمدي رزق، إن الأحزاب ذات التاريخ الطويل تُعد جزءًا أساسيًا من التجربة السياسية المصرية، وفي مقدمتها حزب الوفد وحزب التجمع. وأوضح أن استمرار هذه الأحزاب يمثل عنصر خبرة مؤسسية وتنظيمية، كما يوفر ذاكرة سياسية تساعد على صياغة برامج أكثر تماسكًا مقارنة ببدايات الكيانات الأقل خبرة.
وأضاف أن ثورة يناير شهدت بروز كيانات حزبية جديدة، من بينها الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وحزب المصريين الأحرار. وأشار إلى أن هذه الأحزاب حملت في بدايتها مؤشرات إيجابية، سواء من حيث اتساع مساحة المشاركة السياسية أو من زاوية محاولة تقديم أفكار ورؤى مختلفة. لكن الصورة لم تكتمل لصالح الاستقرار المؤسسي، إذ يرى أسعد أن فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين شهدت، بحسب رؤيته، حملات استهدفت تشويه صورة الأحزاب الجديدة والتقليل من دورها، ما أثر في قدرتها على العمل بحرية وترسيخ ثقة الجماهير.
وبين الكاتب أن التحدي الأبرز أمام الحياة الحزبية في مصر لا ينحصر في عدد الأحزاب أو كثرة الكيانات السياسية، وإنما يرتبط بمدى قدرتها على تكوين حضور حقيقي في الشارع. فالأحزاب—وفقًا لفكرته—مطالبة بالتحرك عبر مبادرات مجتمعية، وبناء قواعد شعبية، وتقديم برامج سياسية واضحة ومحددة تلامس احتياجات المواطنين، مع تقديم حلول قابلة للتطبيق بدل الاكتفاء بالشعارات العامة أو المواقف الموسمية.
وفي هذا السياق، شدد أسعد على أن السنوات التي أعقبت ثورة 25 يناير شهدت حالة توسع في تأسيس الأحزاب والتكتلات السياسية، إلا أن هذا التوسع لم يكن دائمًا مصحوبًا بامتلاك بعض الكيانات لرؤية استراتيجية واضحة أو مشروع سياسي يمكن البناء عليه. ورأى أن ضعف تحديد الأولويات وتذبذب الخطاب أو غموض البرامج قد يؤدي إلى ضعف القدرة على الاستقطاب، وتآكل الثقة مع مرور الوقت.
ولتعزيز فرص تطوير الحياة الحزبية، يمكن—من زاوية استكمال الأفكار المطروحة—التركيز على عدة عناصر مؤثرة: أولًا، بناء برامج تفصيلية ترتكز على ملفات اقتصادية واجتماعية محددة مثل فرص العمل، وتحسين الخدمات العامة، وسياسات دعم الفئات الأكثر احتياجًا. ثانيًا، تطوير أدوات التواصل مع المواطنين عبر منصات إعلامية وتنظيمية فعّالة، بما يشمل لقاءات دورية، وحملات توعوية، وآليات للاستماع لمطالب المجتمع وتحويلها إلى مقترحات سياسية. ثالثًا، تعزيز التنظيم الداخلي من خلال لوائح عمل واضحة، وقيادات قادرة على إدارة الأزمات، وتدريب كوادر حزبية على العمل الميداني، حتى لا تظل الأحزاب مجرد هياكل شكلية.
كما يرى الكاتب أن وجود حضور في الشارع يجب أن يترافق مع مصداقية سياسية؛ أي الالتزام بمبدأ عرض السياسات على ضوء النتائج والقدرة على مراجعة الأخطاء. فكلما زادت قدرة الحزب على تقديم خطط طويلة المدى، وإظهار التزامه بالدفاع عن قضايا الناس دون تضليل أو مبالغة، كلما زادت فرصة استقطاب مؤيدين يمتلكون قناعة راسخة لا مجرد تعاطف عابر.
ختامًا، يضع أسعد “وضوح الرؤية” في قلب أي تطوير للحياة الحزبية: أحزاب قوية لا تُقاس بعددها، بل بقدرتها على إنتاج أفكار قابلة للتنفيذ، وبناء علاقة مستمرة مع المواطنين، وتحقيق حضور مؤثر في المجال العام. وعند تحقق ذلك، تصبح التجربة الحزبية—بما تجمعه من خبرات تاريخية وتنوع ولادات ما بعد يناير—أداة حقيقية لتجديد الحياة السياسية وتعزيز المشاركة الفاعلة.

التعليقات