التخطي إلى المحتوى

في ظل تزايد انتشار مقاطع الجرائم والمشاهد الدموية على منصات التواصل الاجتماعي، ومع موجات الاهتمام الدرامي التي تُقدَّم فيها الحوادث بشكل “واقعي”، حذّر الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، من مخاطر التعرض المتكرر لهذا النوع من المحتوى على الصحة النفسية والسلوك. وأوضح أن الاعتياد على مشاهد الدماء والعنف قد يضعف تأثيرها الصادم تدريجيًا، ما قد ينعكس على قدرة المشاهد على التعاطف، وعلى مدى استجابته العاطفية عند رؤية أحداث مشابهة.

وأشار هندي إلى أن الإفراط في متابعة الفيديوهات السلبية أو المواد العنيفة والبشعة، سواء عبر السوشيال ميديا أو من خلال بعض الأعمال الدرامية، قد يؤدي مع الوقت إلى حالة من التبلد العاطفي. وفي هذه الحالة يصبح الإحساس بالصدمة أقل حدّة، وقد يتراجع الانفعال والخوف المفروضين نفسيًا، خصوصًا عند تكرار المشاهدة دون توقف أو توجيه.

تكرار التعرض يقلل حساسية الدماغ للصدمة

وأوضح الدكتور وليد هندي أن تكرار رؤية السلوكيات العنيفة والمشاهد المروّعة يجعلها تبدو أقل غرابة للمشاهد، لأن الدماغ يتعامل معها باعتبارها “مألوفة” بعد التعرض المتواصل. وبذلك تقل استجابة الجهاز العاطفي للانفعال والصدمة، وهو ما قد يخلق نوعًا من الانفصال أو البرود تجاه الموضوع، حتى لو كان المحتوى في جوهره مقلقًا وخطيرًا.

كما لفت إلى أن بعض الحوادث التي تُقدَّم في الأعمال الدرامية قد تُعرض بتفاصيل قد تكون مؤثرة ومباشرة، وهو ما يطرح تساؤلات حول حدود التناول وكيفية تقديم الجرائم دون تحويلها إلى مادة تجذب الانتباه لمجرد الإثارة.

الدراما ودورها بين التوعية والتطبيع

بيّن استشاري الصحة النفسية أن بعض المتلقين قد يتأثرون سلوكيًا عندما يلاحظون تفاصيل معينة في مسلسل أو عمل درامي؛ فقد يحدث تقليد لبعض السلوكيات في حالات فردية، خصوصًا لدى الفئات الأكثر قابلية للتأثر أو ممن يمرون بظروف نفسية صعبة. لذلك شدّد على ضرورة الانتباه لكيفية تقديم الجرائم والحوادث، وليس فقط وجودها من عدمه.

وأشار إلى أن مفهوم “الدراما البيضاء” كان يهدف إلى توعية الإنسان بمخاطر الجريمة عبر تقديمها في إطار يساعد على إدراك خطورتها ورفضها، بدلًا من تحويلها إلى مشاهد جاذبة أو ممتعة. وأضاف أن الإفراط في إظهار الدماء والعنف بشكل تفصيلي قد يدفع بعض الجمهور إلى التعامل معها كأنها أحداث اعتيادية، وهو ما يساهم في التطبيع بدل الوقاية.

المحتوى العنيف على السوشيال ميديا… من المتابعة إلى الضرر

أكد هندي أن منصات التواصل الاجتماعي تضاعف التأثير لأن المحتوى يصل بسرعة وبشكل متكرر، وقد يُعرض بشكل مقاطع قصيرة تُكرَّر في الخلاصة (Feed) دون ضوابط. وأوضح أن الاستخدام المتوازن للسوشيال ميديا يعد خطوة أساسية، خصوصًا عند الأطفال والشباب، حيث لا ينبغي تركهم أمام محتوى صادم دون رقابة أو توجيه نفسي.

كما نصح بتنويع المحتوى الذي يتابعه الشخص، وعدم حصر الاهتمام في نوع واحد من المواد التي تتكرر فيها الجرائم والحوادث والمشاهد العنيفة، لأن تراكم التعرض يرفع احتمال نشوء آثار نفسية سلبية.

ما الذي يجب أن تفعله المنصات والأسر؟

لإثراء التوعية، يمكن اتخاذ خطوات عملية تقلل الضرر. من ذلك اختيار المحتوى بعناية، وتفعيل أدوات التحكّم في المنصات لحجب المحتوى الصادم، وتحديد وقت استخدام الأجهزة لتجنب “الغرق” في الفيديوهات القاسية. كذلك من المفيد أن تتضمن الأسرة حوارًا يوضح لماذا تبدو هذه المشاهد مؤذية، وكيف يمكن للمتابعة غير المنضبطة أن تؤثر على التفكير والعواطف.

أما بالنسبة للمتضررين نفسيًا، شدّد هندي على أهمية عدم تجاهل علامات مثل القلق المتكرر، أو الانزعاج المستمر، أو تزايد الكوابيس، أو فقدان القدرة على التركيز. في هذه الحالات قد يكون من الضروري استشارة مختص في الصحة النفسية لتقييم الوضع وتقديم الدعم الملائم.

رسائل توعوية بدل الإثارة المجانية

أشار الدكتور وليد هندي إلى أن الأعمال الدرامية التي تتناول الجرائم ينبغي أن تقدّم رسائل توعوية واضحة، بحيث لا يقتصر العرض على جذب الانتباه والإثارة. فالمطلوب أن توضّح الأعمال عواقب السلوك الإجرامي على الضحايا والمجتمع، وتعرض الدوافع بشكل مسؤول، وتجنب تصوير العنف بوصفه عنصرًا ممتعًا أو “حلًا” جذابًا، كما ينبغي تقليل التفاصيل الدموية التي قد تعزز الإيحاء والاعتياد.

وختم بالتأكيد على أن التوعية لا تعني المنع المطلق، بل تعني تنظيم طريقة تقديم المحتوى، ورفع الوعي بتأثيره النفسي على الجمهور، بما يحمي الفئات الأكثر حساسية—ويحد من ظاهرة التبلد العاطفي التي قد تنتج عن الإفراط في مشاهدة المشاهد الصادمة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *